بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
حين أبدع الكاتب الكولومبي الأنيق، “ماركيز غارسيا”، في روايته العالمية”الحب في زمن الكوليرا”، كان يريد أن يبلغ العالم بأنه في آتون المآسي يتفتق الأمل، و تقدم دروس في الإنسانية و تسجل مواقف للتاريخ…، بينما لو قرر كاتب مغمور أن يمر عبر وباء كورونا إلى العالمية لاختار لكتابه عنوان: “طرائف تبون في عصر كورونا”؛ بعدما أبدى الرئيس الجزائري عاطفة جيّاشة و هو يتصل بنظيره الموريتاني ليطمئن على الشعب الموريتاني الوديع، الذي – و الحمد لله- لم تسجل عنده سوى حالات معدودة للإصابة بالوباء، و يعرض عليه بغرابة مساعدة هو في أمس الحاجة إليها، قياسا بالوضع في الجزائر التي نحترم فيها تاريخها الثوري و شعبها الكريم و رئيسها العاطفي حد تفضيله شعب موريتانيا الشقيقة على شعب البليدة الصامد…، و كأن قدر الجزائر أن يكون شهدائها في كل منعطف تاريخي … بالملايين !!!؟؟.
المثير ليس ما جاء في البيان فقط، و لكن في مستوى وعي النظام الجزائري، حيث يتساءل الجميع هل النظام الجزائري يعرف ما يجري في البلاد…؟ إذ يقول البيان أن الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” أجرى، يوم الأربعاء 25 مارس 2020، اتصالا مع الرئيس الموريتاني “محمد ولد الشيخ الغزواني”، و أَضاف “أن الرئيس الجزائري اطمأن على الوضعية الصحية في البلد الشقيق، على ضوء تفشّي وباء كورونا في العالم و أعلن استعداده لتقديم المساعدة لدولة موريتانيا”، الشيء الذي أمتن له الرئيس الموريتاني بكل فخامة و زهو نفس، و عبر عن احترامه للمبادرة الأخوية للرئيس الجزائري، حيث وصف البيان ردة فعل الرئيس الموريتاني بالقول “بدوره عبّر الرئيس الموريتاني عن تأثره بمبادرة رئيس الجمهورية الأخوية، وتقديره لموقفه في هذه اللحظات الصعبة”.
هذا الترفع الموريتاني لم يكن ليحصل لولا ملياري دولار التي ضختهما الإمارات العربية في خزائن “ولد الغزواني”، ليستصغر الأخير مساعدة الجزائر و يرفضها بفخامة و أدب، غير أن بيان الرئاسة الذي كشف عن عرض الجزائر للمساعدة على دولة موريتانيا مباشرة بعد تعميمه على وسائل الإعلام، أثار جملة من ردود الفعل السلبية داخل البلاد و أشعر المواطن الجزائري و المواطن الصحراوي الضعيف بالإحباط الشديد، حيث تحدث الجزائريون عن ما أسموه “حمق النظام”، الذي لا يعرف كيف يفرق بين السياسة و الأولويات و الظرفية.
و قال النشطاء مباشرة في تسجيلات على مواقع التواصل و على منصة اليوتوب بأن الرئيس “تبون” بهذا السلوك أثبت أنه مسير عن بعد، و أنه يتلقى التعليمات كموظف من الدرجة السفلى، و أن موريتانيا في حالة أعلنت قبول المساعدات الجزائرية فعلى الجزائر أن تلبي طلبها، و أن ترسل إليها ما هي في حاجته، مع العلم بأن الجزائر لا تملك ما تقدمه للشعب الجزائري في الوقت الراهن مع نفاذ احتياطي البلاد الإستراتيجي من الخضروات و الفواكه و أيضا نفاذ الصيدليات المركزية للبلاد من الأدوية و الأدوات و التجهيزات و دخول البلاد مرحلة الخطر الوبائي و الاقتصادي.
و عقب الناشط المغترب “زيتوت” في لقاء مباشر له مع النشطاء الجزائريين على البيان بالقول، أن الجزائر أعلنت رسميا دخولها مرحلة الأداء السلبي في الاقتصاد مع وصول سعر البرميل إلى 20 دولار في السوق الدولية، و تأخر المساعدات الصينية التي وعدت بها بكين الحكومة الجزائرية، في حين أن المغرب توصل بكل الدفعات التي طلبها، سواء الطلبات المؤدى عنها و التي تظم التجهيزات الطبية المتطورة جدا، و أيضا المساعدات التي أعلن عنها الملياردير الصيني “جاك ما”، بينما الجزائر التي طلبت مساعدات تقنية و خبراء في محاربة الوباء لم تتوصل إلى حدود الساعة بأي مساعدات صينية، فيما دول أوروبية توصلت بفرق طبية و خبراء و في مقدمتهم إيطاليا، مع العلم أن الوضع الوبائي في البليدة يقول عنه شهود عيان بأنه أصبح خطيرا جدا.
و فضل مدونون جزائريون التعليق على المساعدات التي اقترحها الرئيس الجزائري على نظيره الموريتاني بالقول “من حقك تقديم مساعدات لأي جهة شئت لكن من جيبك و من الأموال التي سرقتها للفقاقير، أم أموال الشعب فهي للشعب الجزائري و نحن في أزمة و وضعنا كارثي… نطالب “شنقريحة” ببعض التعقل و وضع جهاز التحكم جانبا خلال هذه الفترة”… فيما ذهب آخرون للقول على الجزائر أن تتوقف على لعب دور الأب الروحي لدول المنطقة، و أن تتصرف بناءا على وضعها الحقيقي كدولة معوزة و تعاني اقتصاديا، و تنتظرها سنوات عجاف مع الحرب البترولية الحالية و ضعف “الأوبك” أمام قرارات المملكة العربية السعودية، التي رفعت إنتاجها إلى 13 مليون برميل يوميا و أغرقت العالم في العسل الأسود، و استرسلوا في التعاليق بالحديث عن تعداد سكان موريتانيا الذي يتساوى مع سكان أصغر ولاية في الجزائر، و هم ليسوا في حاجة إلى المساعدات حاليا مع العلم أن عدد الإصابات المسجلة حتى الآن خمسة فقط، فيما الجزائر أعلنت عن ولاية أن البليدة منطقة منكوبة و الأرقام في الأيام القادمة قد تقفز إلى مستوى مرعب، دون ذكر حال المغتربين الجزائريين في تركيا و ما يحتاجونه من مساعدات.
ردود الأفعال السلبية لم تسجل فقط على المنصات الخاصة بالشعب الجزائري، الذي يرى في تدابير الرئيس “تبون” إخلالا بنظام الطوارئ، بل امتد الغضب ليشمل الشعب الصحراوي الذي عبر عن امتعاضه من تجاهل الرئيس الجزائري للوضع في المخيمات، و الحصار الشامل الذي ضربه الجيش الجزائري على الشعب الصحراوي مما أثر لسبا على السوق الداخلية للمخيمات، فاشتعلت الأسعار و انتشرت حالة من الهلع بين السكان، و أصبح الحديث عن مجاعة حقيقية تتربص بالساكنة، في حين الجزائر تعرض على الموريتانيين المساعدات و تتودد للرئيس “ولد الغزواني”، لمجرد الرد على المكالمة الهاتفية التي جرت بين ملك المغرب و رئيس تونس.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك