بـقـلـم : أغيلاس
لأنني و لأول مرة أشعر ببعض الفخر من أمر خرج من مشكاة القيادة الصحراوية، ذلك أنها أبدعت في بيانها و هي تصف – للمرة الأولى- منذ سنوات الوضع بما يجب من عبارات، و دون أن تخضعه لعمليات التجميل و النفاق السياسي، و لأجل هذا فأنا سأتضامن مع قيادتنا ضد تحيز الأمم المتحدة بخضوعها لأجندات المحتل المغربي، لكن هذا لن يمنعني من معاتبة القيادة التي تتصرف دوما كلاعبي السيرك الذين يتحدون قوة الجاذبية و يمشون فوق الحبال الشاهقة، إذا لا يخيف لاعب السيرك السير بثبات فوق الحبل و يشعر بالعظمة في وسطه، و تحته الجمهور وقد رسمت على وجهه علامات الفرح و الدهشة و الخوف و الفزع…، لا يشعر لاعب السيرك بالخوف إلا عندما تبقى بينه و بين النجاح ثلاث خطوات، يسميها أصحاب هذا التحدي “خطوات الرعب الثلاث”، فيها هلك أمهر لاعبي السيرك… و أخشى على القيادة من تلك الخطوات الثلاث.
أعرف شعورك الآن أيها القارئ الصحراوي الكريم، نفس الفخر و ذات العنفوان يُلبس قلبي رداء البهجة، لأنه أخيرا أصبحت القيادة أكثر واقعية في تشخيص الوضع و تبرير الحال الذي أصبحت عليه القضية الصحراوية داخل المنتظم الدولي، حيث أصدر البيت الأصفر بيانا أحمر اللون و يحمل من مشاعر الغضب ما يكفي ليجعلنا – سواء كنا داخل المخيمات أم بالأراضي المحتلة و حتى في المهجر- نؤمن بأن ذلك البيان أكثر واقعية، و أكثر نضجا و لم تعد تبحث عن المصطلحات الفضفاضة لتصف الأزمات كما لو أنها نصر عظيم و تمنحنا الآمال المغدورة.
لكن حظ القيادة من الإطراء في صحافتنا، ينتهي هنا، لأن لغتها التي وصفت الواقع دونما زيادة أو نقصان كانت بغاية النضج و الوضوح، لكن اللغة و البيان لا يكفيان لجعل القضية تحصل على بعض النقاط في الصراعات الدولية ضد المحتل المغربي، و هذا يجعلنا نطرح الأسئلة التالية : لماذا تغيرت تلك اللغة فجأة و أصبحت أكثر واقعية مع العلم أن قرار المنتظم الدولي لم يكن يحمل أي جديد و أن التمديد كان تحصيل حاصل سواء ستة أشهر أم سنة ؟… ثم من المسؤول عما آلت إليه أوضاع قضيتنا اليوم داخل مجلس الأمن الدولي ؟… و أخيرا لماذا لم تهدد القيادة في بيانها بالعودة إلى الحرب دون التفاف على العبارات ؟
تهديد القيادة بإعادة النظر في مشاركتها بعملية السلام الأممية برمتها، عقب تبني مجلس الأمن الأممي للقرار 2494، ثم وصفها للأمانة العامة للأمم المتحدة بالتقاعس و عدم قدرة مجلس الأمن عن منع المحتل من إملاء شروطه، و قول القيادة في البيان أيضا أنها مارست عملية ضبط النفس و قدمت تنازلات هائلة…، دون أن تطلب من صحافة الرابوني إجراء حوار مع أي قيادي بالجبهة كي يشرح للشعب الصحراوي كيف حصل النصر داخل أروقة مجلس الأمن و يمارس علينا شعوذة التأويل لتفاصيل القرار و التنجيم لبنوده، و يمنحنها قراءة مستقبلية مليئة بالأمل و التفاؤل…، كل هذا يعني أن القيادة إما أنها تعاني من خلل وظيفي داخلي في هياكلها، أو أنها مجرد فرقعة اعلامية تمهيدا لأشغال المؤتمر الشعبي الخامس عشر للجبهة.
فهذا الأسلوب يكشف أن القيادة رضخت أخيرا للأصوات التي تعلو حولها من كل جانب، و صحافتنا أحد تلك الأصوات التي تمارس النقد الصحيح و الواقعي، و أن جيلا من الساسة و المناضلين و الصحفيين و النشطاء و الحقوقيين الواقعيين أصبح يفرض رأيه داخل المخيمات و حتى خارجها، و أنه يتغذى على الانفتاح الكوني للحريات و يستمد روحه من الحراك في الجزائر، و تأثيره على الرأي العام الصحراوي أصبح واقعا و قويا، و القيادة ترى في وجوده خطرا داهما على بقائها و على مصالحها و ترى أن تنحني لريحها حتى لا يدك صرح البيت الأصفر فوق رأسها و يجر القيادة إلى المحاسبة.
ثم نأتي إلى حجر الزاوية، حيث تشاء القيادة استغلال الظرفية لخدمة أهدافها المسطرة خلال المؤتمر القادم، و ذلك برفع شعبيتها و اللعب على ورقة تحميس الجماهير الصحراوية، و التهجم على شرعية الأمم المتحدة بعدما أعجزها العدو على تقديم مكاسب على حسابه، فالقيادة تحاول البحث عن صيد ضخم تقدمه كقربان للشعب الصحراوي و تثبت به قوتها الدبلوماسية و أنها لا تزال تملك ما تفاوض به، و أنها لم ترمي بكل أوراقها أمام العالم، الشيء الذي ترى فيه القيادة الحالية دفعة قوية لإنجاح المؤتمر القادم و تتويج “ابراهيم غالي” و زبانيته على رأس اتنظيم السياسي، و هذا له قراءة عكسية قد تقلب كل حسابات القيادة.
حيث أن بحث “ابراهيم غالي” عن تزكية مكانته وطنيا و داخل المخيمات و حتى بالأراضي المحتلة، يجعل الأمم المتحدة تشكك في نواياه و يدفعها لطرح الأسئلة المحرجة حول مدى جدية الجانب الصحراوي في علاج الملف المستعصي أمميا، حيث أن الأمم المتحدة لا ترى في الخطوة أي منفعة أو أي تطوير للحلول بل التأزيم فقط، و الشعب الصحراوي الناقم على أخطاء القيادة الحالية و المتأكد من عدم أهليتها، قد يسعى لإسقاط شرعية المسيطرين عليها خلال المؤتمر، و في حال عدم نجاح الاسلوب الديمقراطي لتدبير الخلاف في الرؤى، لن استغرب ان تولد مستقبلا قيادة صحراوية بديلة…، أي أن الشعب الصحراوي قد يفعل اي شيء يضمن حقه في تقرير المصير.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك