العلاقات الجزائرية الفرنسية تدخل أزمة جديدة بسبب تورط المخابرات الفرنسية في تهريب الناشطة السياسية ”أميرة بوراوي”
بقلم : القطامي
يبدو بأن “فرنسا-ماكرون” لا تحترم النظام الجزائري و لا تعير اهتماما كبيرا لردود فعله و لا لمستقبل العلاقات بين البلدين، بعد تورط دبلوماسيين و رجال مخابرات فرنسيين في عملية إجلاء سرية للناشطة السياسية “أميرة بوراوي”، من وطنها الجزائر، نحو فرنسا، عبر التراب التونسي؛ و هي العملية التي أثارت غضب قصر المرادية، حيث أعلنت الرئاسة الجزائرية، يوم الأربعاء الماضي (2023.02.08)، عن استدعاء سفيرها بباريس “للتشاور”، و أدانت كذلك الخارجية الجزائرية بشدة هذه العملية في مذكرة وجهتها للسلطات الفرنسية و اعتبرتها انتهاكا للسيادة الوطنية لبلاد الشهداء.
و هي المرة الثانية – في أقل من سنة ونصف- التي يضطر فيها النظام الجزائري إلى استدعاء سفيره بباريس، بعد الأولى في شهر سبتمبر من سنة 2021 على خلفية تصريحات الرئيس الفرنسي المسيئة للتاريخ الجزائري؛ حيث استمرت تلك الأزمة نحو أربعة أشهر، قبل أن يبدأ الدفء يعود إلى العلاقات تدريجيا، بعودة السفير إلى باريس، وتبادل المكالمات الهاتفية بين الرئيسين، و بعدها زيارة “ماكرون” للجزائر في شهر غشت الماضي، والتي توجت بالتوقيع على إعلان الجزائر من أجل شراكة متجددة، و وصولا إلى زيارة رئيسة الوزراء الفرنسية، في شهر أكتوبر، برفقة 15 وزيرا، لترسيخ المصالحة بين البلدين وتوقيع اتفاقيات في مجالات الصناعة والشركات الناشئة والسياحة والثقافة.
الأزمة الجديدة تأتي بعد أيام من الزيارة الرسمية التي قام بها كبير الجيش الجزائري”شنقريحة” إلى باريس، و التي تسربت عنها أخبار بخصوص شراء الجزائر لأسلحة فرنسية بقيمة 15 مليار دولار، ناهيك عن استفادة باريس من عقود تفضيلية للتزود بالغاز الجزائري،… و في وقت كذلك كان فيه التحضير لزيارة الرئيس الجزائري “تبون” في شهر مايو المقبل إلى باريس؛ وهي الزيارة التي باتت مهددة بالإلغاء في حال عدم احتواء أزمة “بوراوي”، إذ كتبت جريدة “المجاهد” الحكومية، أن الجزائريين “قد سئموا من هذه التصرفات غير الودية من قبل فرنسا”، متسائلة كيف لهذه “السياسة الفرنسية التي تتميز بالتقدم بخطوة واحدة والتراجع بعشر خطوات، أن تساعد على تهدئة النفوس، بل إنها تضفي برودة على العلاقات الثنائية وذلك قبل أسابيع من زيارة الدولة التي من المنتظر أن يقوم بها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى فرنسا؟”.
“أميرة بوراوي” التي كانت السبب في الأزمة الجديدة، هي طبيبة تبلغ من العمر 45 سنة حاملة للجنسيتين الجزائرية و الفرنسية، و هي ابنة الجنرال الراحل “محمد الصالح بوراوي”، المدير العام السابق لمستشفى “عين النعجة”، الفندق الذي يعالج داخله كبار مسؤولي الدولة، إلا أن هذا النسب لم يمنعها من أن تصبح من أكثر المعارضين للنظام الجزائري، حيث بدأت نشاطها السياسي في مطلع 2011، عندما انخرطت في “التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية”، والتي أسستها شخصيات مستقلة وجمعيات سياسية وحقوقية في خضم حراك الربيع العربي، إلا أنها ستصبح أكثر شهرة خلال مشاركتها في حركة “بركات”، التي قادت حملة سنة 2014 ضد الولاية الرابعة للرئيس الراحل “عبد العزيز بوتفليقة”، وسُجنت لأشهر في العام 2020، ، و تواجه حاليا حكما بالسجن لمدة عامين بتهمة “الإساءة للإسلام” بسبب تعليقات أدلت بها على صفحتها على موقع فيسبوك، وحاولت عدة مرات في الأشهر الأخيرة مغادرة البلاد لزيارة ابنها المستقر في فرنسا، لكن بدون جدوى.
و بخصوص عملية تهريبها من الجزائر نحو تونس ثم إلى فرنسا، تداولت العديد من المواقع الإعلامية تفاصيلها و شبهتها بسيناريو يصلح لفيلم هوليودي، حيث عملت المخابرات الفرنسية الخارجية المعروفة بـ”المديرية العامة للأمن الخارجي”(DGSE)، من خلال التنسيق مع ضباط تابعين لها في الجزائر وتونس على خداع المصالح الأمنية و الاستخباراتية الجزائرية، عبر ترتيب خطة مدروسة لإخراج “بوراوي” سرا من الجزائر نحو تونس، عبر المعبر الحدودي “ملولة”، حيث تم إخفاءها داخل سيارة أعدت خصيصا لهذا الغرض، و استطاعت الدخول إلى تونس بتواطؤ مع رجال أمن تونسيين، الذين تعاملوا مع ضباط المخابرات الفرنسيين المشرفين على العملية.
و فور دخولها تونس، التحقت بالسفارة الفرنسية التي قامت بحمايتها، وعمل السفير الفرنسي في تونس على ترتيب كل تفاصيل خروجها من البلاد إلى فرنسا بعيدا عن أعين الأمن التونسي، بعد أن جعلوها تفلت من قبضة المخابرات الجزائري. و في يوم الجمعة الماضية، حاولت السفر إلى فرنسا عبر مطار “قرطاج الدولي”، إلا أن المحاولة اصطدمت بيقظة أمن الحدود التونسي الذي عمل على إيقافها، بعد أن شك في أمرها بسبب غياب ختم على جوازها يحدد تاريخ دخولها تونس، حيث تم التبليغ عن الأمر لدى الأجهزة الأمنية، التي بدورها قامت ببحث عن اسم الناشطة الجزائرية في لائحة معطياتها الأمنية، وهو ما جعلها تكتشف أن “أميرة بوراوي” مطلوبة من لدن السلطات الجزائرية، و بالتالي باتت مهددة بالترحيل نحو الجزائر.
و كادت الخطة برمتها أن تفشل بعد أن ظلت “بوراوي” في المطار إلى غاية يوم الاثنين الماضي، لولا تدخل السفير الفرنسي في تونس، شخصيا، الذي مارس ضغوطا على السلطات التونسية من أجل منح الناشطة الجزائرية إذنا الخروج من البلاد على ضمانة الجمهورية الفرنسية، بحكم أنها مواطنة فرنسية، لكن الطلب أخذ وقتا كثيرا للموافقة عليه، بحكم العلاقة المعقدة بين الرئيس التونسي “قيس سعيد” والنظام الجزائري، وهو ما جعل الخارجية الفرنسية تتدخل مباشرة لدى وزير الخارجية التونسي، “عثمان الجرندي”، الذي رخص لـ “أميرة بوراوي” بمغادرة التراب التونسي، بداعي أنها تحمل الجنسية الفرنسية، وهو ما كلفه بعد ذلك الإقالة من منصبه بسبب هذا الترخيص .
و فعلا تمكنت “أميرة بوراوي” من الوصول إلى مطار مدينة ليون، و من هناك صرحت للصحافة بأن رحيلها إلى فرنسا عبر تونس ليس هروبا من بلادها، لأنها في بلدها الثاني وأنها ستعود قريبا إلى الجزائر، واعتبرت ما حدث لها بمطار “قرطاج” من طرف شرطة الحدود التونسية بالسفر بأنه عملية “اختطاف”.
الأزمة الجديد بين فرنسا و الجزائر، تجعلنا كموقع إعلامي متخصص في القضية الصحراوية و ارتباطاتها الدولية نطرح بعض الأسئلة الحارقة من قبيل: هل كانت فرنسا ستتجرأ على المحتل المغربي لو تعلق الأمر بمعارض مغربي يحمل الجنسية الفرنسية؟ أو بالأحرى هل كانت الأجهزة الفرنسية ستستطيع خداع نظيرتها المغربية كما فعلت مع الأجهزة الجزائرية؟ و كيف كان سيكون رد المحتل المغربي تجاه فرنسا في حال تعرضه لعملية مماثلة؟ … هي أسئلة و أخرى سنجيب عليها في مقال لاحق لنبين بأن الدول التي تملك أجهزة دبلوماسية و أمنية قوية لا يمكنها أن تتعرض لمثل هذا الاختراق و الاستخفاف بسيادتها الوطنية.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك