بـقـلـم : بن بطوش
يقول الكاتب الروسي الكبير “دوستويفسكي”و هو يشرح حجم الكمد بعد خيبة الأمل في الخيارات الموجعة، “لقد رأيت الثقب في سفينتك منذ اليوم الأول، و لكني قررت الإبحار معك ظنا مني بأن الحب يصنع المعجزات”، عبارته تلك و كأنها صيغت على مقاس لسان حالنا كشعب صحراوي أضاع الطريق بين شعاب تندوف و أدغال دول الماما أفريكا، و بعد نصف قرن من ضياع الرجاء في الحصول على الوطن، أدركنا أننا فشلنا مرتين، فلا نحن استطعنا الحفاظ على أرضنا و البقاء فوقها نحارب الاحتلال و نصنع مصيرنا…، و لا نحن استطعنا المواجهة بكل ما أوتينا من سلاح و أنفس بعد فرارنا إلى أرض اللجوء…، و كل ما وجدناه مختلف عما سعينا لأجله، و كم هو محبط الشعور بأننا وزن زائد في المكان الذي احتضننا و آوى مشروعنا و هو خديج…، لكن اليوم تبين أننا لم نعد نحظى بنفس الزخم، و لم نعد ذلك الطفل المذلل لثوار العالم، أقنعتي حكمة “دوستويفسكي”، بأن الأخطاء لا تصنع النجاح، و أن الزمن كاشف وقح و لا يستحيي من الشعوب…، و أنه لا يوجد ما هو أشد على القلوب من الإحساس الجماعي بالضياع.
فقد نشر أشهر صحفي مثير للجدل على قناة الجزيرة، و صاحب الحروب الحوارية الشرسة الدكتور “فيصل القاسم” تدوينة على جدار حسابه الفيسبوكي يعلق من خلالها على وساطة الجزائر في أزمة سد النهضة بالقول “وزير خارجية الجزائر مشغول هذه الأيام بالتوسط بين مصر والسودان من جهة واثيوبيا من جهة أخرى لتأمين القدر الكافي من المياه لمصر والسودان بعد بناء سد النهضة الإثيوبي، لكن الوزير المحترم نسي أن الجزائر تعاني الآن أسوأ أزمة مياه في تاريخها، تركت زوجها مبطوح وراحت تداوي ممدوح”…، ننقلها بكل أمانة صحفية، لسببين، الأول أن النظام الجزائري لم يستمتع بعد باتفاق الهدنة التي وقعها مع القناة المستثمرة في الغضب العربي، و الذي أثمرت حوارا حصريا خص به الرئيس عبد المجيد تبون القناة، و الثاني حتى لا نتهم على هذا الموقع بالتحريف و التلفيق.
ما جاء في التدوينة يدفعنا للبحث وراء السبب الذي جعل قطر تظهر غضبها من خلال تدوينة لصحفيها المفضل، أو بتعبير أدق لماذا الإعلام و المدونين المصريين يشنون حملة مسعورة ضد الوساطة الجزائرية و يتهمون “لعمامرة” بمحاولة ترجيح كفة الإثيوبيين على حساب مصالح شعوب مصب النيل؟، على اعتبار أن الوساطة لم تكن مطلبا للأطراف الثلاثة المتنازعة (مصر و السودان و إثيوبيا) بل كانت باقتراح جزائري على الأطراف و لم تتفاعل مع المقترح إلا دولة وحيدة و هي إثيوبيا، و أن المثير جدا هو كون الجزائر فضلت لعب دور الوساطة دون المرور عبر الجامعة العربية، بل تقود جهودا منفردة و غامضة و لم يكشف حتى اللحظة عن المقترحات التي جاء بها “رمطان لعمامرة” كمشروع وسطي بين الأطراف، و أن المقترح الوحيد الذي كشف عنه الإعلام هو الذي تسوق له أديس ابابا، و الخاص بخطة ملئ السد التي بدأت مع شهر يوليوز عبر تفريغ الحمولة المائية السفلية للسد.
و الواضح أن الصحفيين المصريين حصلوا على الضوء الأخضر من النضام المصري لمهاجمة الوساطة الجزائرية في أزمة سد النهضة، بعد التصريح الثاني المصري – الجزائري من القاهرة، و الذي قال خلاله “لعمامرة” أن العلاقات بين دول نهر النيل تمر بفترة دقيقة و أن الجزائر مهتمة بقضية السد، وحريصة ألا تعرض العلاقات العربية والإفريقية لمخاطر نحن في غنى عنها، في إشارة من كبير الدبلوماسيين الجزائريين إلى حرص بلاده على العلاقات الإثيوبية الجزائرية، و في إرسال لإشارات مطمئنة إلى أديس ا بابا التي تعول على هذه الوساطة لربح المزيد من الوقت.
و بالموازاة مع زيارة “لعمامرة” إلى دول نهر النيل، فقد أطلق مدونون جزائريون حملة “مياة النيل ستحيي الصحراء الجزائرية، و قالوا في عدد من التدوينات أن “رمطان لعمامرة” يفاوض لأجل حل الأزمة و إقناع دولة إثيوبيا بتوقيع إتفاق لإنشاء أنبوب نقل مياه النيل إلى الجزائر التي تعاني من أزمة مياه حادة، و أن المشروع سيكون لسقي ملايين الهكتارات في الصحراء الجزائرية و إنعاش المزروعات و مواجهة المغرب في الأسواق الأوروبية بمنتجات فلاحية جزائرية.
ما يروج له النشطاء الجزائريين، أثار حفيظة السياسيين و الشعب المصري الذين اعتبروا ما يقوم به “رمطان لعمامرة” طعنة في ظهر الشعب المصري، و أن وزير الخارجية الجزائري يقوم بالوساطة سعيا منه لنيل رضا “أبي أحمد” الذي يمتلك علاقات فوق العادة مع دولة إسرائيل، و أنه من كان وراء تحقيق النصاب الذي جعل تل أبيب تدخل إلى الإتحاد الإفريقي كمراقب، و أضاف الصحفيين المصريين المنتقدين للوساطة الجزائرية، بأن إسرائيل أقنعت “أبي أحمد” بالبدأ في التفكير في الأسلوب القانوني لتجميد عضوية الدولة الصحراوية، و هو الأمر الذي أفزع قيادتنا و قصر المرادية الذي أرسل “لعمامرة” لإقتناص فرصة الخلاف بين دول منبع و مصب النيل، و لعب دور وساطة مشبوه لصالح إثيوبيا.
و أضاف صحفيي مصر أن “لعمامرة” استغل تواجده بمصر، ليصلح العطب الذي ارتكبه الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” و الذي كان قد اتصل بالرئيس التونسي “قيس السعيد” عقب الإجراءات التي إتخدها لحل الحكومة و تجميد البرلمان، و احتج على الطريقة التي يدير بها الأزمة التونسية و استعانته بعناصر أمنية مصرية، حسب ما كشفته الصحيفة البريطانية “الدايلي ميل”، و أن الأمر أثار غضبا واسعا وسط الرأي العام التونسي الذي علق عبر المنابر الإعلامية و وسائل التواصل بأن تونس ليست محمية جزائرية.
و من المنتظر أن تتسبب وساطة “لعمامرة” في تأزيم العلاقات المصرية الجزائرية، خصوصا و أن الدبلوماسي الجزائري أظهر تعاطفا مع الجانب الإثيوبي، فيما عدد من المدونين المصريين ذكروا الدبلوماسية الجزائرية بأن الشعب المصري لم ينسى بعد أزمة “أم درمان”، و ما فعله الجزائريون بالجماهير المصرية و ما قام به الإعلام السياسي الجزائري إتجاه المصريين و تاريخهم، و إتهموا “لعمامرة” بمحاولة مواجهة الجامعة العربية و الخروج عن الصف العربي في الأزمة لصالح أديس ا بابا، إكراما للدولة الصحراوية و نكاية في المحتل المغربي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك