بـقـلـم : أغيلاس
يقال بأن ملكة بريطانيا ترفض دائما الإدلاء برأيها بشكل مباشر لوسائل إعلام بلدها، و حينما تريد ايصال رسالة حول حدث ما أو التأثير في سياسة ما، كانت تكتفي بوضع رموز على ما ترتديه من ملابس، فيجتهد الإعلام في تفسيرها و ترجمة كلماتها إلى الرأي العام البريطاني أو الدولي، ذلك أنها يوم أرادت التعبير عن رفضها لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، فإنها ارتدت في افتتاح البرلمان البريطاني قبعة ترمز إلى علم الإتحاد، و يوم التقت “ترامب” الذي زار بريطانيا فإنها ارتدت حلي “بروش” التي أهداها الرئيس الأمريكي الأسبق “أوباما”، و هو الأمر الذي رأى فيه الإعلام الأمريكي إهانة من الملكة “إليزابيت” للرئيس “ترامب”، و قالت الصحف أن الملكة واجهت عجرفة “ترامب” باستحضار حكمة و كرم “أوباما”، لكن كيف يمكن لذوق الملكة البريطانية أن يدرج كمثل في ما يحدث في الوطن العربي…؟
هي فقط أماني بأن يكون للعرب ذوق رفيع في التعبير عما يرفضونه دون اللجوء إلى العنف أو دون تهديد أو إضرار بالمصالح و دون أن يفسدوا المباهج على الشعوب…، إذ تبدو الأحداث في الوطن العربي غير منظمة و شديدة الفوضى، بدءاٌ من الأزمة في سوريا و اليمن و الوضع في ليبيا، مرورا بما يحدث في السودان، و وصولا إلى آخر ما أبدعه النظام الجزائري الذي أطلق حملة محاكمات ضد من اسماهم “رموز الفساد”، و هذا التوجه الجديد داخل الحليفة حير متابعي الشأن الجزائري و يطرح عديد الأسئلة، من وراء هذه المحاكمات؟ و هل هي تصفية حسابات أم مجرد عبث سياسي موجه للتسويق الإعلامي؟ أم هي محاولة من النظام التخلص من اوزانه الزائدة و إعادة إنتاج نموذجه بشكل يتناسب و مطالب الاحتجاجات؟… ثمة الكثير من الأسئلة التي حيرت الصحافة الدولية و الرأي العام الجزائري، و جعلت حراك هذا الوطن مختلفا في كل شيء عن ما عاشته الدول العربية ابان “الربيع العربي”.
فقد صدر بتاريخ 22 أبريل 2019 بيان أذيع على قناة “الشروق” بخصوص اللقاء التشاوري الذي نظمته الرئاسة، و قد تضمن إمكانية تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى تاريخ آخر غير محدد، عوض تاريخ 04 يوليو 2019، و ذلك لما أسموه ضرورة تعديل قانون الانتخابات، و الغريب أن البيان طالب بضرورة استمرار الحراك الشعبي و الاحتجاجات في الشارع الجزائري، و أضاف البيان أن أعضاء لجنة تنظيم الانتخابات يجب تعيينهم من طرف هيئة القضاة و ليس من طرف السلطة و كأن القضاة تفرزهم الانتخابات و لا ينتمون لدوائر التعيينات الخاصة بالسلطة، و يُختم البيان بدعم و مساندة الرئاسة المؤقتة للجيش مع الحصول على تعهد من الأخير بتحقيق مطالب الشعب…!!!
و مباشرة بعد اختتام ذلك الاجتماع الذي ترأسه “عبد القادر بنصالح” تناقلت وسائل إعلام جزائرية خبر إيداع رجل الأعمال “يسعد ربراب”، رهن الحبس المؤقت، من قبل وكيل الجمهورية لمحكمة “سيدي محمد” في الجزائر العاصمة، و أكد موقعTSA الخبر عن الذي نسبه إلى مصدر مقرب من مجمع “سيفيتال”، و كان رجل الأعمال “ربراب” قد تم توقيفه صبيحة الاثنين (2019.04.23) من قبل فصيلة الدرك الوطني بالجزائر العاصمة للاشتباه في تورطه في “التصريح الكاذب المتعلق بحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج وتضخيم فواتير استيراد تجهيزات واستيراد عتاد مستعمل بالرغم من الاستفادة من الامتيازات الجمركية الجبائية والمصرفية”.
لكن الحقيقة التي يتحدث عنها متتبعي الشأن الجزائري تقول بأن ما يحدث هو نتيجة متعلقة بوضعين مختلفين دفعا بـ “القايد صالح” لإعطاء تعليماته من أجل تحريك مسطرة المتابعة في حق”ربراب”؛ الأمر الأول أن دولة الإمارات العربية تهدد قيادات الجزائر بنشر غسيلهم و فضحهم و ضرب سمعتهم داخل و خارج الجزائر عبر فتح ملفات لفساد، و أنها تسعى لدخول الجزائر بقوة و التحول إلى فاعل اقتصادي و سياسي بها، و الأمر الثاني أن “القايد صالح” يريد القيام بعملية “recyclage” للنظام لإنتاج نموذج قيادي للجزائر من نخب قديمة و جديدة معدلة سياسيا، تستجيب ظاهريا لطموحات الشعب و لها القدرة على المحافظة على مصالح رموز الدولة العميقة.
غير أن المتتبعين القريبين من قصر المرادية يرون أن حربا في الكواليس توشك أن تتفجر و أن قائد الجيش “أحمد القايد صالح” يخطط و يهيئ لمحاكمة الجنرال المتقاعد “توفيق” و أنه اعتقال “ربراب” هو بمثابة حرمان الجنرال “توفيق” من ذراعه المالي، و محاصرته و التقليل من تأثيره، و يضيف المتتبعون أن التخطيط لمحاكمة الجنرال “توفيق” قد تكون بتوصيات من قوى خارجية ربما أوروبية على الأرجح خصوصا و أن تقارير تحدثت عن وجود تواصل بين “توفيق” و جماعة “جند الخلافة” الإرهابية من أجل التنسيق لإسقاط طائرة “القايد صالح” أثناء تفقده النواحي العسكرية بجنوب الجزائر، و أن الجنرال “توفيق” و جماعته أعطوا تعليماتهم لرجلهم في “جند الخلافة” من أجل إذاعة بيان التهييء السيكولوجي للاغتيال قبيل حصوله بأيام.
كل هذه المعطيات تظل حبيسة التقارير الأوروبية، و أن التسريبات التي حدثت حتى الآن على مواقع التواصل الاجتماعي، هي مقصودة و الهدف منها شرح حملة الاعتقال الحاصلة اليوم، و تؤكد أن الجزائر دخلت مرحلة تصفية الحسابات و أن عشرية سوداء جديدة بدأت تكشف عن ملامحها…، لكن هذه المرة لن تكون بين الجماعات الإرهابية و الدولة الجزائرية، و على رأسه الجيش الشعبي، بل ستكون بين عناصر النظام الجزائري على شكل تصفية حسابات و نشر فضائح.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك