باريس تعاقب الجزائر بدفع البرلمان الأوروبي لإدراجها ضمن “الدول العالية الخطورة في تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”
بـقـلـم : بن بطوش
كلما تحدثنا عن الحليف الجزائري و صراع الإخضاع الذي يحدث بينه و بين باريس، و التي يبدو أن حكومتها غاضبة جدا جدا …. و ناقمة جدا جدا…، من قصر المرادية بعد صفقة المعادن و المحروقات مع الشركات الأمريكية، إلا و تقاطعت أفكارنا مع دروس الحرب الإيرانية؛ ذلك أن الرئيس الفرنسي “امانويل ماكرون” يسعى بكل جهده لإعادة النظام الجزائري إلى بيت الطاعة، دون الحاجة لإشهار ورقة البنود السرية في “اتفاقيات إيفيان”، الموقعة في شهر مارس من سنة 1962، و دون المرور عبر محكمة العدل الدولية، باستنساخ التجربة الأمريكية لفرض العقوبات و التخويف عبر استخدام قوائم الإرهاب…
و المخيف أن النظام الجزائري يعتقد بأن وضعه لكل الثروات المعدنية التي يختزنها التراب الجزائري في سلة الرئيس الأمريكي، سيجعل قصر المرادية متحررا و قادرا على التصرف بعيدا عن أي التزام دولي – تاريخي مع فرنسا، خصوصا و أن البنود السرية في “اتفاقيات إيفيان”، تقول بأن أهم شرط للقبول باستقلال الجزائر، هو بقائها متعاونة مع فرنسا.
فقهاء القانون الدولي يقولون بأن فرنسا شرحت “شرط التعاون” حين قسّمت مسألة تدبير الجزائر إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يديره النظام الجزائري بالتشاور مع الإليزيه، و قسم تديره فرنسا بالتنسيق مع قصر المرادية، و قسم ثالث يتم تدبيره من النظامين بشكل مشترك…، و أول هذه الأقسام التي يديرها النظام الجزائري هي المتعلقة بأمور الشعب الجزائري، و السياسية الحزبية و السياسة الاجتماعية للبلاد و سياسة الحكم…، و كل ما يتعلق بالتسيير السوسيو- ثقافي للبلاد و أيضا صفقات السلاح و تكوين الجيش و الشرطة…، لكن فرنسا في النهاية و بناءا على مصالحها هي من تمنح النظام الجزائري الضوء الأخضر لخوض الحروب من عدمها، أما القسم الثاني فيتعلق بثروات البلاد، إذ يمنع على النظام الجزائري التعاقد مع أي شركات أجنبية غير فرنسية دون الحصول على موافقة باريس، و أن جميع المعادن و الطاقات الأحفورية التي اكتشفتها فرنسا و لم يتم بعد استغلالها، تمتلك الدولة الفرنسية نصف ثرواتها، و النصف الثاني هو ملك للنظام الجزائري الذي لا يمكنه بيعه لأي جهة أخرى دون الحصول على الضوء الأخضر من الإليزيه الذي يرى نفسه الأحق بشراء تلك الثروات، و في حالة الطوارئ…، تلك الثروات هي لخدمة الأمة الفرنسية حسب بنود “إتفاقيات إيفيان”.
أما القسم الثالث فيتعلق بالرموز السيادية الجزائرية، و هي الحدود البرية و البحرية و المجال الجوي، و هو قسم مشترك السيادة بين الجزائر و فرنسا، و رغم أن النظام الجزائري حاول مرارا و تكرارا تغيير العقيدة السيادية بإدخال تكنولوجيا روسية في أنظمة الملاحة و المراقبة، إلا أن منظمات الملاحة الدولية الجوية و البحرية لا تزال تراسل فرنسا بشأن المعطيات الملاحية الجزائرية و تعاملها كوصي على الجزائر في السيادة الجوية و البحرية، و تتلقى تلك المنظمات، نصف الاشتراك المالي الخاص بدولة الجزائر من ميزانية وزارة الداخلية الفرنسية، لأن هذه الوزارة هي من كانت تشرف على الجزائر إبان الحقبة الاستعمارية .
هذا الشرح لفهم سر الغضب الفرنسي الذي ظهر بعد صفقة المعادن الجزائرية مع “ترامب”؛ إذ تسبب الاتفاق الجزائري الأمريكي في جعل باريس تشعر بغصة الخيانة، و فرنسا حاليا لا تريد رفع دعاوى قضائية ضد الجزائر، حتى لا تحرك المياه الراكضة للمنتظم الدولي الذي يرى أن فرنسا لا تزال تتعامل مع الجزائر كمستعمرة، و أيضا حتى لا تغضب الأمريكيين، لهذا قرر “ماكرون” استخدام الأسلوب الأمريكي و الضغط على قصر المرادية بعنف، خصوصا و أن النظام الفرنسي يعرف مدى رعب النظام الجزائري من هذه التصنيفات (الإرهاب) … وفي حال عجز فرنسا في إعادة النظام الجزائري إلى بيت الطاعة، و إرجاع قواعد التعامل إلى جادة سكة “إتفاقيات إيفيان”، فقد يفكر قصر الإليزيه في إسقاط النظام الجزائري، و قد يخطط لتنفيذ اغتيالات ضد رموز النظام الحالي داخل الجيش و حتى بقصر المرادية… و نذكرك أيها القارئ الكريم كيف جرى التخلص من قائد الجيش السابق ” أحمد الگايد صالح”، هذا الكلام ليس محض استنتاجات.
و حتى في أوج الحرب الأهلية الجزائرية زمن “العشرية السوداء”، لم تجرؤ أوروبا على تصنيف الجزائر ضمن الدول التي تمول الإرهاب و تمارس رذيلة تبييض الأموال، مما يعني أن جميع المحاولات التي قادها اليسار الفرنسي و اللقاءات السرية لإصلاح العلاقات الفرنسية الجزائرية…، كلها انتهت بالفشل، و وصلت إلى نهاية المسار، و أن قصر المرادية يريد خوض المعركة إلى آخر نفس، و أظنها مغامرة غير محسوبة المخاطر من النظام الجزائري، الذي – مع كامل الأسى و الأسف- يعرف جيدا بأن وضعه لا يسمح له بخوض مثل هذه التحديات، و بأن الخبث الفرنسي أكبر مما يعتقدونه.
على الجهة الأخرى نجحت الرباط في خلق نوع من التوازن بين باريس و واشنطن، و رغم فشل شركة “داسو” الفرنسية في إبهار الجيش المغربي بتكنولوجيا الجيل الجديد من مقاتلات “الرفال”، إلا أن شركة الخطوط الجوية التابعة للمخزن المغربي قررت شراء أسطول من 20 طائرة airbus، و غواصات العقرب الفرنسية، و سيتم الإعلان عن الصفقة – إذا لم يحصل أي متغير – عند زيارة الرئيس الأمريكي إلى المغرب بدعوة من الرباط، من أجل الإعلان عن حزمة صفقات أقل وصف لها، أنها ستكون بحجم جبل الطود.
و من المنتظر خلال تلك الزيارة أن يتم الإعلان عن صفقة ثلاثة أسراب من مقاتلات الـ f-35 و صفقة لشراء 20 طائرة boeing 787 Dreamliner للمسافات البعيدة، و صفقة لشراء أزيد من 60 طائرة boeing 737 max…، و كل هذه الصفقات هي لتأهيل الأسطول الجوي لدولة الاحتلال المغربي من أجل إنجاح تنظيم كأس العالم سنة 2030، و بالمقابل سيعلن الرئيس الأمريكي عن استثمارات تصل إلى 10 ملايير دولار، نصفها سيكون بالصحراء الغربية، و قد يتم خلال تلك الزيارة الإعلان الرسمي عن افتتاح قنصلية أمريكية خاصة بمتابعة الاستثمارات الأمريكية و مرافقة رجال الأعمال الأمريكيين.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك