بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
من منا لا يتذكر الغواصة الروسية الشهيرة “كورسك” التي غرقت بالقطب الشمالي، و هلك كل طاقمها الذي ضل يصارع لأيام و يستنجد بموسكو كي ترسل فريق إنقاذ..، نتذكر جميعا كيف عرضت دولة النرويج تكنولوجيا الإنقاذ المتقدمة لانتشال الغواصة الروسية النووية القابعة تحت جبال الثلج، لكن الروس فضلوا أن يتركوا طاقم الغواصة المتضررة يموت ببطء، حتى لا يطلع أحد على أسرار أسطولها البحري.. كانت واحدة من الحوادث العسكرية الأكثر تأثيرا في تاريخ الإنسانية.
و كأن أوروبا اليوم حوٌلت القضية الصحراوية إلى غواصة معطوبة و أسكنت فيها كل أحلام و طموح و آمال و مستقبل الشعب الصحراوي، ثم أغرقتها أسفل جبال مصالحها .. لقد قرر 415 نائبا برلمانيا التصويت دون رحمة و مع سبق الإصرار لقهر الشعب الصحراوي و إغراق قضيته…، الأمر هنا لا يتعلق بتنفيذ الديمقراطية عبر منح التصويت للبرلمانيين الأوروبيين بكل نزاهة و شفافية و لا بتصفية حسابات بين اللوبيات المغربية و الجزائرية داخل القارة العجوز، و لا حتى قضية نهب للثروات باسم القانون و التشريعات الدولية، و لكن الأمر أعقد و أكبر، و حين وضعت المقارنة بين الغواصة “كورسك” و القضية الصحراوية فأنا أحاول تشكيل الصورة النهائية لمصير لا هروب منه كقدر محتوم لقضية، أصبحت أخبارها حصة عذاب يومي للشعب الصحراوي.
كان الأمر مجرد تأكيد و تحصيل حاصل، لا يحتاج إلى كبير عناء في فهمه و لا يحتاج إلى عين خبير لصبره و كشف أسراره، لأن القضية كتبنا حولها ما يكفي من المقالات التي كانت تحذيراتها ظاهرة للعقلاء من الشعب الصحراوي، و قلنا بأن أوروبا ترى في المحتل المغربي أكثر من مجرد جار أو شريك، فهو منذ سنوات قي وضع متقدم معها و يمتلك الخيوط المهمة لتحريك أشرعة البرلمان الأوروبي حيث يشاء، و كانت علامات ذلك واضحة، و لكن القيادة اختارت الطريق الأصعب في المواجهة معه.. و مع تجميع المعطيات أصبح قدرنا أن نقبل هذه الهزيمة بكل روح نبيلة.
و المصيبة أن القيادة بعد تأكدها من الفشل الذريع لخطة الثروات، و بعد أن صرفت على ملف القضية أموال كانت البطون الجائعة في المخيمات أولى بها من المكاتب التي أوفدت أفشل محامييها للترافع في قضية محسومة بشكل مسبق..، رغم هذا راحت هذه القيادة تسابق الزمن و تقدم الطعون أمام المحكمة الأوروبية مع علمها بأن الذين صادقوا على تجديد الاتفاق لنهب ثروات الشعب الصحراوي، هم برلمانيون و قاموا بذلك في إطار دستوري ينظم و يقنن أعمال الإتحاد الأوروبي ككل.
هذا الطعن الذي ولد ميتا، رفضته المحكمة الأوروبية، و المستملحة التي صاحبت هذا الرفض، أن المحكمة الأوروبية قامت بتحميل القيادة الصحراوية مصاريف ناتجة عن تحريك المسطرة و الإجراءات المصاحبة لهذا الطعن، و هذا ما يسمى بالهزيمة المذلة..، و كأن التصويت على الملف كان بالبرلمان المغربي، حيث تجاوز حجم الإجماع 70 بالمائة و أن الثلاثين الباقية لم يكن موقفها لصالح القضية، بل تمزق رأيها بين الاعتراض و التحفظ.
لقد كان الأمر محسوما منذ البدء، و أوروبا اليوم التي تستعد لفقدان عضوية بريطانيا، تدرس بشكل معمق إمكانيات منح المحتل المغربي شرف ملئ هذا الفراغ المحتمل وسد الطريق أمام اقتصاد تركيا كما سبق و أشرنا إلى ذلك في مقالاتنا السابقة، و الدليل أن الزيارة التي يقوم بها عاهل إسبانيا و عقيلته إلى الرباط تتزامن مع الحدث ليس من باب الصدفة، بل الأمر فيه ترابط مصالح، و إسبانيا إلى جانب فرنسا هما عرٌابا هذه الفاجعة التي نزلت بالقضية الصحراوية..، و الأعظم من كل ما سبق و حتى تتوضح الصورة، فبعدما تشنجت العلاقات بين الرباط و الرياض فقد تمكنت إسبانيا و فرنسا من توحيد صفوف الإتحاد الأوروبي لدعم المغرب ضد التوجه الجديد للأمير السعودي.. فأين نحن من قوة السعودية التي عجزت عن إرغام المحتل ليكون كما تريده؟
على القيادة أن تتوقف عن وضع الثقة الحالمة في الديمقراطية الأوروبية، و انها ستتخلى عن المحتل المغربي و تسارع الزمن كي تزورنا في فيافي المخيمات و توقع معنا اتفاقها المشئوم و نحن نضع الساق على الساق.. و نملي عليها الشروط..، و على القيادة أن تفهم بأن حجم المصالح المشتركة بين الرباط و بروكسل تتجاوز ما نعرفه و أن المستقبل سيكشف المستور، خصوصا و أن إسبانيا و البرتغال يراهنان على المحتل المغربي للظفر بشرف تنظيم النسخة المقبلة من مونديال الكرة، و أن هذا الأمر هو جزء من أجندة العاهل الإسباني خلال الزيارة التي يقوم بها للمغرب، فلا القضية الصحراوية تستطيع أن تضع حد لسطوة المحتل و لا الوضع الإنساني المأساوي يثير شفقة الأوروبيين الباحثين عن مصالحهم، و لا اللوبي الجزائري المنشغل بتدبير ترشح “بوتفليقة” المحتضر للعهدة الخامسة قادر على كسر أمواج الدبلوماسية القوية للمحتل… و ما بقي للقيادة هو استجماع نواياها السيئة و الحسنة و الخروج إلى الشعب الصحراوي لمصارحتهم بالقول : أيها الشعب المكلوم لقد أكل الأوروبيون حقكم..، عودوا إلى خيامكم و أحكموا وثاقها لأن المقام بأرض اللجوء … سيطول كثيرا.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك