بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
إذا كانت القوة لا تتراجع إلا أمام قوة أعظم حسب منطق الدول الكبرى التي حكمت العالم و لا تزال تحكمه بالحديد و النار، فإن ما حدث في القمم الأخيرة “قمة المناخ”، “القمة الإفريقية”، “القمة العربية” … يوحي على أن ثمة وعي أصاب التكتلات القارية و يوشك أن يغير موازين القوى من حولها و بالخصوص في مناطق التماس المتوسطية “الأورو-أسيوية” و “الأورو – إفريقية” و حتى تلك “الأفرو – أسيوية”، على إعتبار أن الحرب على الإرهاب قد فرضت على العالم تقديم صفقات الأمن على صفقات السياسة و الإقتصاد، و لتبسيط الرؤيا أمام قرائنا أكثر نقول بأن المتفوق في هذه الحرب سيحظى بالمجد و القوة و السطوة… و الشرف.
هذا المدخل وحده فقط يمكنه أن يشرح لنا سر تراجع نفوذ دول إفريقية كنا نحسبها حتى الأمس دول ذات عظمة لا تزول و أن أفولها من المستحيلات، و الحال هنا بجنوب إفريقيا التي لم تعد تلعب في الإتحاد الإفريقي أي دور يذكر غير المشاركة بمداخلات لغوية لا تغني و لا تسمن من جوع، بل الأكثر من هذا ظلت مشاركاتها في الأزمات التي تعيشها دول “المَامَّا” أفريكا أقل من هزيلة و إكتفت أمام حركة “بوكو حرام” بالإستنكار فيما فضلت دسَّ رأسها في التراب من قضية ليبيا و الطوارق و قراصنة الصومال …
و نحن لا نتحامل على دولة من حجم جنوب إفريقيا، غير أننا لم نرى لها سلبية في المواقف أكبر من هاته التي هي عليها اليوم، حتى بخصوص قضيتنا الصحراوية لم نعد نجد في خطابات الزعيم الجنوب إفريقي أو ممثليه ذلك الحماس الثوري الذي ألفناه في حقبة الزعيم الراحل “محمد عبد العزيز”، و الأمر الذي أهان القضية أكثر أن العدو المغربي لما كشف عن رغبته في العودة إلى البيت الإفريقي لم تنبري جنوب إفريقيا لمعارضة الأمر، خصوصا و أن المغرب أملى جملة من شروطه على الإتحاد، فيما اكتفت الجزائر هي الأخرى ببعض العبارات التي تذكر رئاسة الإتحاد بأن المغرب عليه الإلتزام بالميثاق التأسيسي للإتحاد…
بعد هذه المهانة و الخزي الذي أحسه الشعب الصحراوي بالقمة الإفريقية، و قع تسارع في الأحداث، و كأن تنصيب ابراهيم غالي زعيما علينا بالإكراه الجميل، كان لعنة أصابت القضية، حيث وقّعت 28 دولة على عريضة المطالبة بتجميد عضويتنا في الإتحاد و هو الرقم الذي قضَّ مضجعنا جميعا و حرمنا النوم لوقت طويل، و تلاه إعلان المحكمة الأوروبية عن عدم جدية الحجج التي تقدم بها دفاعنا، و سحبت رواندا الإعتراف و خطب البخاري من نيجيريا ودَّ العدو بعبارات غير مفهومة صحراويا، و جلسنا نحن نقلب كفينا على ما أنفقنا على هذه القضية و هي خاوية على عروشها.
بعد كل هذا أصبح للشعب الصحراوي الحق الكامل في التساؤل عن الكيفية التي أمكن بها للعدو المغربي أن يخترق الصفوف الإفريقية و يضم إلى صفه أكثر من نصف أعضاء هذا الإتحاد، و لماذا عجز قادتنا و القادة الجزائريين عن إدخالنا إلى الإتحاد العربي، ثم أين لمسة إبراهيم غالي التي تحدث عنها الجميع سرا و علانية بعدما أثقلوا مسامعنا بعلاقاته الأسطورية في أوروبا و إفريقيا و أمريكا الاتينية…؟
يصعب الجواب دون تعقيد في الشرح أو حتى دون المرور عبر النضر في الحصيلة الأولية للقائد الجديد الذي وشَّحه العدو بوسام الفشل من رتبة “أَهبل” و هي الحصيلة التي يمكن إعتبارها كارثية، و لم يسبقه إليها أي زعيم، لأن الزمن الذي أمضاه “ابراهيم غالي” كي يفهم أنه رئيس، كان كافيا للعدو كي يغرق إفريقيا في الأحلام و الأمل بعدما وجدها فارغة من ممثلينا، ذلك لأن الرجل عندما وصل إلى البيت الأصفر، ظن أنه أنهى واجباته المدرسية بنجاح، و أن إقناع النظام الحاكم في الجزائر بكونه رجل المرحلة بامتياز كانت مهمته الأولى و الأخيرة و احتاج خلالها إلى الكثير من الزمن و الطاقة و لم يعد يقوى على النزالات القارية الأكثر احترافية ضد عدو ماكر و مناور.. و لا يمكن رشوته.
هذا العدو الذي عاد إلى إفريقيا كمحترف يحمل تجربة طويلة في النزالات و المرافعات، بعدما قارع الكبار و إنتصر في معظم حروبه الدبلوماسية، بل أَجْلَسَ كل أوروبا على مقاعد الدراسة كي يعلمهم قواعد الحرب الحديثة ضد الإرهاب و لا يزال يعلمهم، لهذا قلنا منذ البدء أن مفاهيم التوازنات و القوى تغيرت بسبب الانقلاب الذي أصاب الأولويات في العالم، إذ لم تعد الجيوش تتحرك للسطو على آبار البترول بذريعة تحرير الشعوب، بل المصيبة أن الجيوش أصبحت تتحرك بناءا على معلومات تمنحها دول كالمغرب، لأن أتباع البغدادي أشبه بالأشباح، و السيئ في الأمر أن أتباع هذا الرجل يعرف العدو المغربي جيدا مخابئهم، لهذا نعيد القول بأن العدو عرف كيف يجعل نفسه “سيد الحرب” على الإرهاب.. و لهذا هي افريقيا في حاجة إلى العدو المغربي أكثر من حاجتها إلى حزن المنظمات و تعاطف تجار المحن .. و يؤسفني القول بأنها – أم الحقائق -.