البرلمان الأوروبي يصدر توصية تدين الوضعية الحقوقية بالمغرب و إعلام الرباط يتهم الغاز الجزائري بتأجيج العداء الأوروبي
بـقـلـم : بن بطوش
ثمة كم من الأحداث جرت في الساحة المتوسطية و المغاربية حجبت علينا أخبار مؤتمر تنظيمنا السياسي المخيمات، و دفعتنا للتأني في قراءة و تمحيص و تحليل نتائجه، ذلك أن ما جرى من متغيرات دولية و جهوية هو أيضا مرتبط بقضيتنا الوطنية، و بمسارها الدولي، و له تأثير على وعينا النضالي و على مصيرنا كشعب قدر له أن يفكر بالوطن و يحتفظ بأحلامه التي لا يبدو أنها ستكون في الأمد القريب و المتوسط متاحة كواقع…، بعدما دعا رئيس المجلس الاقتصادي و الاجتماعي بدولة الاحتلال المغربي “رضا الشامي” حكومة بلاده إلى الإسراع في وضع اللمسات الأخيرة على المخطط الاجتماعي الخاص بتدبير عودة ما أسماهم “المحتجزين في المخيمات”، في إشارة إلى أهالينا اللاجئين في الجنوب الجزائري…، و هي الدعوة التي تزامنت مع نداءات بعض القادة من المخيمات، و الذين صرحوا بلغة الواثق أن المؤتمر السادس عشر للجبهة هو آخر مؤتمر سيعقد فوق التراب الجزائري… !!
هذه الأحداث و التراكمات لا يمكن عزلها عما يحصل من تسارع دولي، و يفرض علينا طرح السؤال حول ما يجري من مياه أسفل قضيتنا !!؟، و هل ثمة علاقة بين التوصية الأوروبية التي تدين خرق الرباط لحقوق الإنسان في قضية الصحفي “عمر الراضي” و زيارة قائد الجيش الجزائري إلى باريس و تصريحات الرئيس “عبد المجيد تبون” الأخيرة أمام الولاة…؟، أم أن الأمر محض صدفة ؟ !!!، ثم لماذا قرر البرلمان الأوروبي فتح ملف حقوقي لصحفي لا هو منتمي إلى القضية الصحراوية و لا إلى حراك الريف، و كأن الإتحاد الأوروبي يحاول ضرب الرباط حقوقيا و بحذر للحفاظ على حد شعرة معاوية، أم أن هذا الاتحاد بدأ بملف ذلك الصحفي و سينتظر تنازلات من المغرب، و في حالة عدم حصولها سيرفع حجم الضغوط و قد يدوس مصالحه مع الرباط؟ أم أن هذا أبعد ما تستطيعه بروكسيل و أن برلمانها يعامل الرباط بحذر و يخشى ردة فعل واشنطن و مجلس التعاون الخليجي و الإتحاد الإفريقي… و حتى إسرائيل؟
كي نفهم ما يجري، و كي يتحقق وعينا الكامل بالأحداث و حتى لا نكون الحلقة المغيبة عن هذه الحرب الهادئة، فإننا ملزمون بالربط بين عدة عناصر، أولها زيارة “جوزيب بوريل” إلى الرباط و عودته خاوي الوفاض إلى بروكسيل، ثم مرور الرباط لمرحلة تنفيذ اتفاقيات التصنيع العسكري مع إسرائيل و واشنطن و تسريع المخطط الصناعي العسكري، و سنتطرق في تحليلنا لزيارة وزير الخارجية الإسباني إلى أبوجا و رسائل الإتحاد الأوروبي إلى المغرب من الحديقة الخلفية الأوروبية بإفريقيا، و سنركز على رفض الرباط تسليم القرصان الفرنسي المتابع في جرائم سيبيرانية إلى باريس، و تمكين مكتب التحقيق الفدرالي الأمريكي منه، وصولا إلى زيارة قائد الجيش الجزائري إلى باريس… !!
ستكون رحلة ممتعة من التحليل و ستقودنا إلى فهم الفكر الأوروبي الكلاسيكي و الذي لا يتغير في معاملاته مع الدول المغاربية و الإفريقية، حيث أثبتت باريس أنها تسيطر بالطول و العرض على الإتحاد الأوروبي، و أرادت أو توصل رسائل واضحة و غير مشفرة إلى الرباط، بأن الاتحاد العجوز بخير و في صحة جيدة حتى بعد خروج أكبر قوة سياسية و اقتصادية منه، و أن تصريحات المفكرين على انتهاء زمن الأوروبيين لصالح قوى جديدة صاعدة تجانب الواقع، و أنه لا توجد دولة عربية أو إفريقية إلى حد الآن يمكنها أن تملي شروطها على دول الاتحاد الأوروبي…، فقررت باريس في تعاملها مع الرباط أن تكرر سياسة الخارجية الأمريكية في عصر “أوباما” حينما كان الاقتصاد الجزائري يعيش عصر البحبوحة الغازية، و بلغت عائدات ما جنته “سوناطراك” للحليف 1000 مليار دولار، فقررت سفيرة أمريكا بالامم المتحدة “سوزان رايس” – فجأة و دون مقدمات- أن تدفع بملف إدراج مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية قبيل اجتماع مجلس الأمن، و هو الأمر الذي تراجعت عنه في اللحظات الأخيرة بعد تحرك قوي من اللوبي المغربي و العربي و اليهودي، و لعبت فيه فرنسا دورا حاسما و سقط المشروع الأمريكي و لم يذكر بعدها أبدا.
لهذا كلما دخل الحليف الجزائري عصرا من البحبوحة، نتيجة ارتفاع أسعار الغاز و النفط، كلما فتحت ملفات لقضايا حقوق الإنسان ضد المغرب، غير أن اختيار قضية الصحفي “عمر الراضي” كان ذكيا للغاية، على اعتبار أن هذا الصحفي يحظى ملفه بتأييد منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأمريكية و أن الصحفي يستفيد من صداقته مع “أحمد رضا بنشمسي”، عراب اليساريين المغاربيين حاليا، و أحد المقربين من قصر المرادية و الناقم على النظام المغربي و صاحب علاقات قوية داخل الكونغرس الأمريكي، و هو مدير فرع المنظمة في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا…، لهذا فإن بروكسيل بفتح ملف هذا الصحفي تظن أنها لن تكون متناقضة مع واشنطن و لن تغضبها، و هي لا تمس ملف الصحراء الغربية الذي أصبحت أمريكا ترعاه، و لا تمس ملف قضية حراك الريف حتى لا تحرك مواجع دولتي هولندا و بلجيكا، و ستقدم لقصر المرادية خدمة محدودة في الزمان و المكان و تفي بالوعود التي قطعها “ماكرون” للنظام الجزائري خلال زيارته إلى دولة الشهداء الذين أسقطهم الجيش الفرنسي و نقل جماجمهم إلى المتاحف…
و في نفس السياق و حتى لا تبدو أوروبا كاتحاد أحمق يغامر بمصالحه مع الرباط إرضاءا للجزائر، و رغبة في الحصول على غاز هذا البلد بشكل شبه مجاني، فقد أوفد هذا الإتحاد الماكر وزير خارجية إسبانيا إلى أبوجا، و من هناك أعلن أن الأنبوب النيجيري المغربي هو أهم مشروع بالنسبة لمدريد و لأوروبا في الوقت الراهن، و أن الأوروبيين سيقدمون كل الدعم لإنجاحه، لأن إسبانيا التي تعي جيدا أهمية التوافق مع جارها الجنوبي، و سبق لها و تجرعت مرارة الصراع معه على خلفية قضية “بن بطوش”، لم تكتفي بإعلان وزير خارجيتها من العاصمة النيجيرية، بل خرج رئيس وزرائها “سانشيز” أمام وسائل الإعلام و تبرأ من النواب الذين صوتوا لأجل تمرير التوصية المدينة حقوقيا للرباط، و قال أنه من أصل 32 نائبا ضمن الحزب الاشتراكي الإسباني الذي يرأسه، فإن 17 لم يصوتوا و امتنعوا عن دعم القرار، و كأنه يقول لقد قدمت كل ما أستطيع لإرضاء المغرب و الأوروبيين، بتقسيم أصوات الحزب الاشتراكي على الطرفين.
فرنسا المجروحة بسبب سياسة الرباط التي ترفض استقبال الرئيس “ماكرون” قبل الخضوع لشروطها، و أيضا بسبب قضية القرصان “سيبستيان راولوت” التي أوجعت الأجهزة السرية الفرنسية و كانت ضربة قوية لهم، شعرت بغصة كبيرة و هي تتابع كالجميع عبر وسائل الإعلام عقد الرباط لاتفاقيات التصنيع العسكرية مع الكيان الإسرائيلي و مع واشنطن، و خروجها أو تنصلها من جميع الالتزامات الصناعية مع باريس، خصوصا و أنها تحاول قدر المستطاع منع صدور أول سيارة 100% مغربية و تحمل علامة جديدة رغم وجود بنود في الاتفاقيات الاقتصادية بين باريس و الرباط، يمنع منافسة العلامات الفرنسية المصنعة بالمغرب، و هذه إهانة صناعية أوجعت فرنسا…
و لذلك ففرنسا الآن تحاول وقف التقارب الصناعي بين واشنطن و الرباط، و هذا سر زيارة قائد الجيش الجزائري الذي تحرك على عجل و أعلن أنه سيزور باريس من أجل الترتيب لزيارة “عبد المجيد تبون”، فيما الواقع أنه ذاهب لعرض الأموال على قصر الإليزيه من أجل خيارين؛ فإما أن تنجح فرنسا في توظيف الأموال الجزائرية لوقف التقارب الصناعي المخيف بين الرباط و واشنطن و تل أبيب و إعادة الوضع إلى نقطة الصفر، أو أن تختار باريس بيع رخص التصنيع العسكري و نقل التكنولوجيا الحربية إلى الجزائر.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك