بـقـلـم : بن بطوش
ثمة مستملحة تحكي أن رجل أنفق خمسون دولارا لطلب كتاب عنوانه “كيف تخدع الأغبياء”، يعرضه متجر إلكتروني، و بعد أسبوع من طلبه توصل بالكتاب، ليجد أن كل صفحاته بيضاء لم يكتب عليها أي شي، اللهم العنوان الموجود على الغلاف، فانهار بالضحك…، كان درسا كلفه 50 دولارا،… و ما أهون الثمن المدفوع إن كان فقط من المال… !!، أما نحن الشعب الصحراوي فقد كلّفنا درس الثورة و مشروع الوطن…، ثلاثة أجيال و نصف قرن من اللجوء و الوجع، فحصلنا على التشرد و الضياع و جحافل من الأرامل و اليتامى و التكلى ، بسبب اللائحة الطويلة للقتلى و الشهداء، و عند كل مغامرة تنقص من جيشنا كتيبة، و يدفن مقاتلونا في الشعاب بدون شواهد على القبور…، على الأقل استطاع الرجل الذي خُدِع في الكتاب أن يضحك على وجعه، لكن الكمد الذي يعصر الأكباد في المخيمات يصعب الضحك منه أو عليه؛ لأنه لم يعد مؤلما بل أصبح حارقا، و لأن بعد كل عملية دفن و نعي للمقاتلين نتأكد بأن قيادتنا الصحراوية لا تخوض حربا بل تحولت إلى متعهد مآتم … !!
النتيجة اليوم أن جيشنا الصحراوي عن بكرته يحارب مُسيَّرة واحدة، و أبعد أهدافه أن يغافل الشيطان “يعني” الذي يحلق في السماء ليتمكن من التسلل إلى الاراضي المحرمة ، ليرمي مقذوفات على مدينة السمارة المحتلة أو على نقطة مراقبة عسكرية بجدار الذل و العار…، كي يوجه “الهنتاتة” أقلام الصفحات الصفراء بالمخيمات لتدوِّن اسم الكتيبة في سجل الأبطال و تعزف الأناشيد و تطلق بيان الدك و الأقصاف، ثم يخرج علينا الأخ القائد “إبراهيم” في مقابلة مع صحفي جزائري، ليستعرض علينا إتقانه للغة العربية، و بنفس نبرة النطق للرئيس المصري الراحل “أنور السادات”، و كي يخبرنا أن بواسل الجيش الشعبي حققوا أهداف الحرب…، و أن المحتل المغربي يرتجف و أن الخطط المقبلة للجيش الشعبي الصحراوي هي استهداف العمق رغم أن القادة العسكريين الصحراويين يعلمون بكون أبعد مدى للصواريخ الصحراوية لا يتجاوز الأربعين كيلومترا… !!
كان القياس أن ننعي استشهاد “لحبيب ولد محمد عبد العزيز”، كما كتب لنا القراء الكرام في مراسلاتهم، و نزولا عند رغباتهم، لكننا من باب تكريم الشهيد لم نُنعِه؛ لأنه قضى في ساحة الشرف، و الشهداء أحياء عند ربهم، و أي نعي في حقهم مهما كانت جمالية كلماته هو انتقاص في حق الشهداء، و خطنا التحريري وفيُّ لهذا التقليد…، بأننا نناقش الحدث و نحلله، و لا نميز في الاستشهاد بين قائد و مقاتل داخل الجيش الشعبي الصحراوي، و لا نخص أحد على أحد بميزة كما اعتادت القيادة الهرمة أن تفعل، حين نعت “الداه البندير”، قائد الدرك يوم ابتلعته نيران صاروخ رميت به سيارته من خلف السحب، فيما التزمت الصمت ذات القيادة عن نعي باقي المقاتلين الذين يستشهدون في المعارك مع المحتل المغربي كل أسبوع… و اليوم هي تنعي الشهيد “لحبيب”، فقط لأنه “رگيبي” وابن الرئيس الراحل “محمد عبد العزيز” و نجل وزيرة الثقافة الراحلة “خديجة حمدي”،…. و هذا تمييز إثني ـ عنصري ـ قبلي ـ مقيت، لن نقبل به على هذا المنبر الحر؛ فكل دماء الشهداء حرام و زكية و طاهرة، و لا شرف لشهيد على آخر و الكل يقدم روحه لهذه القضية.
ما حدث للشهيد البطل “لحبيب” يجب قراءته من زوايا إستراتيجية؛ لأن الحدث تسبب في لغط داخل المخيمات و ثمت أصوات تعالت بالتخوين و اتهمت “الهنتاتة الأقزام” ببيع دم الشهيد حفاظا على كرسي الأخ القائد… !!، لكن ما حصلنا عليه من معطيات يبرؤ الأخ “إبراهيم غالي” و حاشيته من هذا التهام، و نحن لا ندافع عن أحد بقدر ما أننا لسان الحقيقة و قلم الصدق، ذلك أن يوم استشهاده كان بتاريخ 07 يونيو، أي قبل يومين من إحياء ذكرى استشهاد “الوالي مصطفى السيد”، و أن ثمة من القيادة من حضر معنا غرفة النقاش على منصة (X) ليخبرنا ببعض المعطيات، حيث أفادنا بأن قيادة الجيش الشعبي الصحراوي أمرت بمهمة استهداف جيش المحتل و إحداث خسائر بقواته، من أجل الاحتفال بالإنجاز و إهداءه إلى روح مفجر ثورة في يوم الذكرى (9يونيو)، و أن قيادة الجيش الشعبي استدعت القادة الميدانيين و العارفين بخصائص الحرب مع المحتل، لكن المفاجئة أن الجميع تخلف لم يتطوع أحد للمهمة، عدا قائد لواء الاحتياط “لحبيب ولد محمد عبد العزيز”، الذي أخبرهم أنه سيفعلها و أنه يعرف كيف يتعامل مع الدرون و رصدها…، قدّم نفسه للقيادة كخبير صامت لسنوات، و عند تنفيذه للمهمة… لم يعد للديار مثلما لم يعد “الداه البندير”.
هذا القيادي لم يكتفي بسرد ما جرى داخل القيادة العسكرية، بل قدم معطيات غاية في الخطورة، بأن “المحتل لا يحتاج إلى مخبرين داخل المخيمات، لأنه يخترق القيادة الصحراوية و يسيطر على المخيمات منذ 2020 بشكل تام، و يعرف الروتين اليومي للقيادات الصحراوية و قد يُسرب يوما فضائحهم، و أن المخابرات المغربية متواجدة دوما داخل غرف الاجتماعات و حتى بالمطابخ و بغرف النوم و ترافق البعثات الطلابية، و أن قبل خروج الشهيد “لحبيب” و من معهم من المخيمات كان جيش الاحتلال يتتبع مساره، و لم يقصف المركبات إلا عندما أصبح مدى الصواريخ التي يحملونها قادرة على إصابة أهداف خلف الجدار”.
بعد هذا الكلام لم تعد القضية اليوم محصورة في الجواب على سؤال: لماذا المحتل يستهدف النخب العسكرية؟ و هل الأمر مرتبط بخيانة داخلية أو بتصفية حسابات قيادية على الكراسي؟… فما يشغل الرأي العام الصحراوي المطلع على ما يجري هو مشكل انكشاف البوليساريو عسكريا، و تحول الكتائب الصحراوية إلى وقود حرب و أهداف مكشوفة، لأن الضعف العسكري للجيش الشعبي الصحراوي و فشل الخطط العسكرية للقيادات أصبح أمرا واقعا يصعب إصلاحه بين ليلة و ضحاها…، و لكن السؤال الموجع هو ما سبب تجاهل الحليف الجزائري لخسائرنا ؟ و لماذا قصر المرادية يصمت أمام الاستهدافات العسكرية للصحراويين ؟ ثم ما دور الجيش الجزائري في هذه الحرب؟ و لماذا لم يوفر للمقاتلين الصحراوين الغطاء لمنع الاستهداف المباشر ؟ أم أن ثمة أمر أكبر من قدرات الجزائر العسكرية… !!؟
الحقيقة حسب الإجماع الصحراوي، أن القيادة الجزائرية حذرة جدا في ملف الصحراء الغربية، و تعلم أن المحتل المغربي مستعد لحرق إفريقيا من أجل هذا الملف، و الجيش الجزائري له ماض عسكري غير مقنع و غير محفز و لا مُشرِّف في حروبه الثلاث التي خاضها ضد جيش الاحتلال (“حرب الرمال” و “أمغالا -1-” و “أمغالا -2-“)، رغم أن النظام المخزني في ذلك الزمن كان محاصرا سياسيا و خاضع لعقوبات عسكرية و لا يمتلك الأسلحة النوعية، فيما كان الجيش الجزائري مدعوما من فنزويلا و كوبا و فيتنام و سوريا “حافظ الأسد” و ليبيا “القدافي”….، و نحن هنا لا نريد القول أن الجيش الجزائري انهزم، بل ننقل لكم شهادات من جنود جزائريين شاركوا في المعارك، و شهاداتهم تقول بأن الجيش المغربي سحق الجيش الجزائري في هذه الحروب…. أما اليوم فالرباط لديها تفوق تقني غير مسبوق، اشتكت منه حتى إسبانيا، و سبق و نشرنا تحليلا لمقالات إسبانية تتحدث عن التفوق التقني للرباط.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك