بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
حاولت أكثر من مرة أن أمدح قيادتنا كلما حاصرتنا الظروف، و لا يهمني أن أصفها و أمجدها حتى و لو سقطت في وحل التملق، إذ يكفي أن أساعد في إحياء الأمل في النفوس، لكن يستحيل الأمر في ظل الأخطاء التي ترتكبها، ذلك أن هامش المناورة الصحفية لدعم الأمل المتبقي جرى شطبه بسبب سياسة التهور، و لم يعد يمكننا أكثر مما نكتبه، و أبعد ما نستطيعه مع هذه القيادة أن نحذرها و الشعب الصحراوي من سوء ما تصنعه بالقضية، و آخر هاته العثرات صمتها الرهيب عن فضيحة هروب 12 سجينا، كانوا ضمن المجموعة المتكونة من 19 فردا الذين حكم عليهم بعقوبات ثقيلة بسبب اشتراكهم في تجارة المخدرات و تكوين عصابة.
سيناريو الحكاية بدأ قبل اعتقال التسعة عشر مهربا، و بالضبط في شهر يوليوز من سنة 2017، حينما تواجهت عصابتان في ولاية أوسرد، و بتَّتَا الرعب بين سكان المخيم، و أبانت تلك الأحداث عن استخفاف بهيبة الدولة الصحراوية و هشاشة مؤسساتها الأمنية و تغول منطق “التهنتيت” داخلها، فانتظرنا حينها أن تجرّ الرقاب التي تطاولت على أمن الشعب الصحراوي إلى المحاكم ليقتص منهم، لكن عقلاء القوم خانهم الفهم هذه المرة و لم يستطيعوا مع قوة “الهنتاتة” سبيلا، فاقترحوا على القيادة الصلح بين المتناحرين على حمولة المخدرات و البحث عن اكباش فداء من خارج المخيمات… و ذلك ما حدث.
أياما بعد ذلك أعلن “جيش التحرير الشعبي الصحراوي”، بتاريخ 16 يوليوز 2017، إحباطه لعملية تهريب كميات كبيرة من مخدر “الشيرا”، و إعتقال 19 صحراويا يعيشون جنوب المغرب، يشتغلون كـ “حمالة”، و مهمتهم تنحصر فقط في تمرير الشحنة خارج جدار العار، بمنطقة “أغشان لبيظ”، بـ”كلتة زمور”، مقابل عمولة بسيطة، و كتبت صحافتنا في الأمر مقالات مطولة تصف فيها بسالة عناصر الجيش الصحراوي و شراستهم و يقظتهم و يصفون الخطط الأمنية التي تم بموجبها كشف العملية و الإيقاع بالمهربين…، لكن لا أحد تحدث عن عصابات المخدرات التي بقيت حرة طليقة داخل المخيمات و تنادي مع الآخرين “فلنحاكمهم”.
ظنت القيادة أن الإيقاع بتسعة عشر “حمالا” سيخلط أوراق الرباط التي ستتوسل الرابوني لإطلاق سراحهم، مقابل اطلاق سراح معتقلي “اكديم ازيك”، حينها ستكشف قيادتنا للعالم تورط الرباط في هذه التجارة المحرمة، و ستقايضها بما هو أكبر…، لكن المحتل لم يعر الموقوفين أي اهتمام، و كتبت صحافته تفضح كل ما وقع داخل المخيمات من أحداث و إقدام البيت الأصفر على تدبير هذا السيناريو، حتى تضمن عدم اعتقال مهربي المخيمات و أيضا لتخبر الملاحظين و متابعي الشأن الصحراوي بأن من قام بالفوضى داخل المخيمات هم “الحمالة” الذين استدرجناهم إلى خارج الجدار و قبضنا عليهم.
و بتاريخ يوم الثلاثاء 31 اكتوبر والأربعاء 1 نوفمبر 2017، انطلقت محاكمة الموقوفين و أعلنت القيادة استغرابها من التجاهل الكبير للأمم المتحدة و عدم تكلفها بالتواصل معهم و مع أسرهم، وجرت المحاكمة بتيفاريتي وسط حديث عن رفض الجزائر محاكمتهم فوق ترابها، و قالت الصحافة أنها محاكمة ستكون عادلة و تكفل كل الحقوق في إشارة منها إلى محاولة مقايضتهم بمعتقلي “اكديم ايزيك”، لكن المحتل المحتل لم يكن يهمه امر هؤلاء المهربين و صرف نظره بلا رجعة و اعتبر الأمر “لا حدث” و وزعت المحكمة ما مجموعه 287 سنة سجنا على مجموعة الـ 19، و قالت صحافة الرابوني التي غطت المحاكمة بأن كل شروط المحاكمة العادلة كانت حاضرة رغم أن الإعلام الدولي لم يحضرها و لا حتى المراقبين الأمميين و لا حتى ممثلي المنظمات غير الحكومية، و ختمت الصحافة مقالاتها بالإفصاح عن المطالب الغريبة للموقوفين إذ كتبت أنهم يريدون إتمام ما بقي من حياتهم داخل المخيمات بعد انقضاء مدة عقوبتهم، كمواطنين صحراويين عرفانا منهم و امتنانا للدولة الصحراوية التي أحسنت معاملتهم.
و خلال شتنبر من سنة 2018 استيقظ الجيش الصحراوي على خبر فرار المجموعة الـ 19 و التي نجح حوالي سبعة منهم من الوصول إلى داخل جدار العار و تسليم أنفسهم لدرك السمارة فيما تمكنت المروحيات الجزائرية من تحديد مكان 12 فارا تائهين وسط الصحراء و إعادتهم إلى السجن، و اعتبر الحدث ضربة موجعة لمؤسسة الجيش الصحراوي بسبب ضعفه في مراقبة السجناء و أيضا عدم قدرته على تدارك الفرار و استعادة كل السجناء.
منذ وصول السبعة الفارين إلى الجانب الآخر أصبح الإثنى عشر الباقون عبئا حقوقيا و معيشيا على القضية الصحراوية، و رأى البيت الأصفر في اعتقالهم تورطا و خسارة فقط لم تجني منهم القضية أي منافع، حيث أصبحوا سببا في العديد من الخلافات داخل الجيش الصحراوي بين عناصر الدرك و وحدات الجيش، و ظل الصراع طي الكتمان حتى داخل بيت القيادة إلى أن ظهروا من جديد في الإعلام المغربي بعدما لجئوا إلى جيش المحتل داخل جدار العار، ليبدأ الرأي العام الصحراوي في طرح الأسئلة حول طريقة وصولهم إلى الجانب الآخر و إذا ما كان الأمر فرارا أم تسريحا من القيادة
فلو أن الأمر فرار فالمصيبة عظيمة؛ إذ كيف نجح 12 سجينا من كسر قيود الحراسة و عبور الصحراء الشاسعة في أمان و الوصول إلى جانب المحتل دون أن يدرك عناصر الجيش الأمر، و لا حتى الجيش الجزائري الذي يمتلك أدوات المراقبة الحديثة، و في حالة إذا ما كانت القيادة هي من قام بالسماح لهم بالمغادرة و إيصالهم إلى جدار العار، فتلك فضيحة اكبر و مهانة و مذلة لا تشبه سابقيها…، لأن القيادة فعلا دخلت مرحلة الهذيان السياسي، و أصبحت عاجزة عن إطعام و مراقبة 12 فردا من مستخدمي تجار المخدرات، و تحولهم إلى أوزان زائدة يدل على أن أحداث الجزائر و ما يجري في الأعماق يوشك على تدمير القضية الصحراوية نهائيا.

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك