بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
من طرائف الحروب العربية أن كان للجيش اليمني جنديا يدعى “نور الدين الأحول”، وضعه قائد وحدة أعلى إحدى الهضاب كقناص كي يقتل الأعداء عند الاشتباك معهم، غير أنه كان مصابا بداء الحول فأخطأ في أزيد من ثلاثين طلقة كلها أصابت أصدقائه.. و رغم إعاقته البصرية ألحق بساحة القتال و منح له دور “القناص” لأنه كان قريب أكبر قادة الجيش، و رئيس الوحدة كان ملزما بمنحه دورا في تلك الحرب كي لا يغضب رئيسه… فكانت النتائج موت عدد من رفاقه بنيران بندقيته..
هذا تماما ما يحصل اليوم في قضيتنا الوطنية، إذا كان القياس أن يشن القادة حربا إعلامية ضد المحتل بالإتحاد الأوروبي لمنع تجديد اتفاقيات الشراكة بينه و بين دول الإتحاد، غير أن التهنتيت جعل الحكومة الصحراوية تتشكل من حالات قيادية مصابة بداء الحول الثوري ممن أنتجوا لنا استراتيجيات نضالية لم يسبقنا إليها حتى شعب “المايا” و هذا ما تسبب لنا في كم الهزائم و النكبات يصعب علينا حتى حسابها.
فقد أنتج تلفزيوننا الوطني شريطا مصورا اختيرت له مشاهد مختلفة من المناطق المحتلة، أبرزها تلك التي تظهر فيها الموانئ و المعامل و الشوارع و البنايات الشاهقة، فيما قدم مشاهد أخرى عن الاحتجاجات و بعض اللقطات من المخيمات.. إذ ينطلق الفيديو بوجوه صحراوية ملثمة، و هي المشاهد التي ركبت بطريقة خاطئة لدرجة أن الذي يتابع الشريط دون صوت يظن بأنه يمجد البنية التحتية و التطور الكبير الذي أصبحت عليه مدن الصحراء الغربية، و كأن العدو أنقذ المنطقة من العزلة و الفوضى التي لا تزال قائمة بالمخيمات حسب التسلسل الزمني للشريط، مما يوحي بأن الفوضى من إنتاج صحراوي.. حصري.
هذا التوظيف الخاطئ للصورة داخل الشريط له قراءة معينة، إذ أن المقطع مصور بتقنية (FULL HD) العالية الجودة و هي التقنية التي تتطلب تجهيزات ذات تكنولوجية فائقة في عالم الصورة و التي لا تتوفر -إلى حدود كتابة هذه الأسطر- بمحطة التلفزيون الصحراوي المسكين، و هذا يحيلنا حسابيا على استوديوهات القنوات الجزائرية لأن المتحدثة في الشريط هي نفسها الصحفية الجزائرية المتألقة على قناة النهار “إيمان عبادي”، ذات الصوت الرخيم الذي يمكن تمييزه بين آلاف الأصوات، لهذا تفادى الشريط إظهار المعاناة بمخيمات العزة و الكرامة و ركز على استثمارات العدو فوق الأراضي المحتلة و على بعض التدخلات المسجلة لقوات الاحتلال و التي لا ترقى إلى المستوى الذي يجعل تجمعا اقتصاديا بحجم الإتحاد الأوروبي يتخلى عن مصالحه الكبرى مع المحتل و التي تمتد من الاقتصاد إلى الأمن إلى الهجرة و التهريب إلى مصالح عسكرية و إستراتيجية ….الله أعلم بتفاصيله.
الشريط تظهر فيه البنية التحية بجودة عالية و تظهر فيه المنشآت الصناعية و هي على قدر كبير من التطور و الدقة في الأداء كما يسجل الشريط صورة حضارية للموانئ التي تصطف فيها المراكب و يشتغل فيها البحارة بأعداد كبيرة في نظام عجيب، و كأن الشريط دعائي لصالح المنجزات التي حققها العدو على الأراضي المحتلة.. و بنظرة إخراجية غريبة تظهر الفواكه و الخضر و كأنها من ثروات الصحراء الغربية… و فجأة يظهر خلاله بعض أطفال و نساء المخيمات كضحايا هذا التطور و هم أقرب إلى مجتمع تخطاه التطور و منفي في غيابات تندوف.. إذ يشعرك ترابط الصور بأن القيادة فرضت عليهم البقاء خارج الحضارة و هو الأمر الذي يدين القيادة و يحكم على القضية بالخطأ التاريخي الفظيع.
أتوقع من عرض هذا الشريط ان يجلب نتائج عكسية، إذ أن عين رجل الاقتصاد لا ترى غير الفرص المتوفرة و حجم المعاناة داخل المشاهد ضعيف إلى حد الانعدام، حيث أن الأمر لن يكون كما تظنه القيادة التي تتوقع فض الشراكة بين المحتل و الإتحاد الأوروبي بمجرد عرض مقاطع مصورة، لأن الأمر أكبر من أن يمنعه مجرد شريط الذي يحمل أخبارا سارة لصائدي الفرص الأوروبيين و يكشف عن وضع استثماريا مناسبا للباحثين على الثروة في الصحراء الغربية التي تبيض ذهبا و سيدفعهم للاستفادة من التميُّز الذي يقدمه العدو لرؤوس الأموال الأجنبية التي تختار منطقة الصحراء المحتلة، بل أن العدو يمنحهم ضمانات النجاح عبر تأمين أموالهم المستثمرة و هو الأمر الذي يشهد به الشريط.
و إذا قلنا أن الشراكة لن تنفصل بين العدو و الإتحاد الأوروبي أو بين العدو و أمريكا، فالأمر ليس تشاؤما أو تحاملا على قادتنا، بل لأن الأوروبيين و على رأسهم فرنسا التي أصبحت القوة السياسية الأولى بهذا الاتحاد (بعد خروج بريطانيا) بالإضافة إلى إسبانبا التي لا تؤمن بالأخلاق و لا تمنح الأولوية للحقوق بل للمنافع التي ستجنيها، هم الذين يتحكمون الآن في دواليب هذا الإتحاد المريض بالجشع الاقتصادي، و أن أذرعهم الاقتصادية توجد في كل مكان من المغرب و حتى بالأراضي المحتلة.. لهذا فإن شركاتهم هي التي تستغل سواحل الصحراء و هي التي تنقل خيراتها و هي التي تستفيد من تلك الشراكات و هي التي تلعب في كل مرة دور راعي تلك الشراكات.. و ما تبقى من شركات فهي تعود لبني عمومتنا من الصحراويين الذين فضلوا ترك أمور السياسة و اختاروا صناعة الأمجاد في عالم المال و الأعمال.
كان الأفضل عوض إخراج فيلم دعائي من بعض اللحظات بتقنية متطورة كي نقول للإتحاد الأوروبي و للعالم من بعده أن العدو قلب حال الأراضي المحتلة رأسا على عقب و جعل شعابها التي كانت تعوي فيها الذئاب في الأمس القريب مدنا تنبض بالحياة و يسكنها النماء و التطور و التحضر، كان الأصلح أن نصنع بعض الفيديوهات مستعينين بهواتفنا الذكية كي نرصد بها حال الشعب الصحراوي الذي تقطعت أوصاله من الانتظار و عبث قادته بآمال أجياله الذين لم يروا بعد النور، فالقضية في حاجة إلى إثارة الواقع المعاش بالمخيمات لأن استجداء العطف لا يكون بهكذا أسلوب، حتى أن الطريقة التي تم بها تسجيل الشريط المعرض على دول الإتحاد الأوروبي يجعلنا نبدو كالمتسول الذي يرتدي ثيابا فاخرة و يتجول على واجهات المحلات كي يخبر زبنائها أنه عزيز قوم ذل… ما نريده من قادتنا ليس القتال داخل غرف الإتحاد الأوروبي بل فهم من يدبر لنا مثل هذه الحلول… ما نريده ببساطة.. حد أدنى من الكرامة.. و على العدو أن يشكر القيادة على استعانتها بالقناص”نور الدين الأحول”.
و لمشاهدة شريط الفيديو اضغط على الرابط هنا
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك