بـقـلـم : أغيلاس
ذات عرض على أحد المسارح بلندن، كان الساحر يبدع في خدعه، و يخرج من قبعته الحمامات و الأرانب البيضاء، و قطع القماش الملونة و المربوطة ببعضها…، و كان في الصف الأمامي للجمهور طفل يتيم الأم أبهره العرض، و وسط الصمت المطبق للجمهور الذي سلم إيمانه للساحر، وقف ذلك الطفل و صاح في رجل الخدع: “أيها الساحر… إن والدتي متوفية، فهل تستطيع أن تخرجها من القبعة كما أخرجت الحمامات..؟”، بدا الساحر عاجزا و صامتا بعدما بهته الطفل اليتيم بسؤاله و الذي أدرك هنالك أن ما قد نراه إنجازا خارقا و معجزة، قد يكون مجرد خدعة بسيطة و تافهة… و مضللة للعقول، و بعد فهمها نكتشف أن الساحر ليس رجل المعجزات بل هو فقط محتال يخدع بصر الناس بخفة يده و يبهرهم حتى يكرموه ببعض المال.
هذا ما طلبه الحراك تماما من “القايد صالح” طلية الأشهر السبعة للاحتجاجات، بأن يخرج من قبعته العسكرية ديمقراطية حقيقية، تبنى عليها جمهورية جزائرية ثانية، جمهورية تنبض الروح في مؤسساتها الدستورية، و يفتخر الشعب بالانتماء إليها، لكن “القايد صالح” بهت هذه المرة، مثلما بُهت سحرة الفرعون و النمرود، لأن رجلا مخادعا لا يمكنه أن يمنح الشعب الجزائري أي حقيقة، و بقاءه على رأس الجيش حتى الآن رغم أنه في أرذل العمر، نتاج براعته في الخداع و المناورة و حفر الفخاخ لخصومه، قائد الجيش هو ابن مدرسة الحرب الباردة التي تأسست عصر توازن الرعب، و هو واحد من القادة الذين إن أُمِرُوا بحماية الديمقراطية اختطفوا كل المعارضة و اغتالوا رموزها… و أعلنوا منع التجول في البلاد.
لكن عصى “القايد صالح” السحرية لم تعد تخدع أحد و لا توجع إلا حاملها، و قبعته التي يخرج منها في كل جمعة آلاف السيارات المدرعة لمحاصرة المدن، لم تعد تفزع أحد و لا ترهب أحدا، و في الجمعة 33 من الحراك خرج الشعب الجزائري في مسيرات مرعبة و هم ينادون: “باي باي الكايد صالح – مكاش الفوط”، “أطلق ولادنا – و رينا ولاد الكايد آش يديرو”، في رسالة واضحة من الشعب الجزائري إلى قائد الجيش لتأجيل الانتخابات التي يحاول فرضها على الشعب الجزائري يوم 12 ديسمبر المقبل، من اجل إخراج البلاد من حالة الشغور المزمن للرئاسة مع تأكد عجز الرئيس المؤقت هو الآخر عن أداء مهامه بسبب المرض.
و كان للإعلام الدولي الذي غطى باهتمام بالغ مسيرات الجمعة 04 أكتوبر2019 رأي يصطف مع الحراك، خصوصا مع ارتفاع منسوب التوتر بين قائد الجيش و النشطاء الذين أجهضوا عمل لجنة الحوار…، و يسيرون في نفس التوجه لإجهاض عمل لجنة الانتخابات، بعد الطعن في المكلفين بها، خصوصا و أن اللجنة تجاهلت بشكل مطلق النداءات التي أطلقها الحراك لإطلاق سراح النشطاء كواحد من الشروط الأساسية، قبل البدء في الحوار الجدي حول الانتخابات المقبلة، و أكدت القنوات الأوروبية و خصوصا الناطقة باللغة العربية كمثل ” sky عربية” و “فرانس 24″ و ” dw الألمانية” و “rtv الروسية”…، على أن الحراك أبدى مقاومة عنيدة جدا، و أن “القايد صالح” يواجه صعوبات حقيقية لم يتوقعها أبدأ، مع العلم بأنه حاول مرارا و تكرارا تطبيق خيار القوة، و هو – حسب الإعلام الدولي- مجبر اليوم، من أجل تفادي أي ملاحظات دولية، أن يتحاور بشكل شخصي مع ممثلي الحراك، و أن يتوقف عن وصفهم بالمغرر بهم و الشرذمة القليلة و أتباع العصابة، بعدما أظهروا أنهم يتحركون بإرادتهم و يسيرون في الشوارع بكل وطنية و سلمية، انطلاقا من إيمانهم بالقدرة على تغيير الوضع إلى الأحسن.
و قد سبق مسيرات الجمعة إطلاق نقابة المحامين بالجزائر تحذيرات للسلطة بالبلاد، بعدما شككوا في نزاهة القضاء و رفضوا الدخول في لعبة التخوين و الترهيب بسنوات السجن، و اتهموا “القايد صالح” بالتلاعب بمصير البلاد عن طريق الاعتقالات التي تطال النشطاء، و هو نفس النداء الذي أطلقه بعض الإعلاميين أيضا احتجاجا على التوجيه الذي يتعرض له الحقل الإعلامي في الجزائر من أجل إظهار أن الحراك بدأ صوته يخفت و أصبح ضعيفا جدا على عكس الواقع، و أن الأغلبية مع المشاركة في الانتخابات و في التاريخ الذي جرى تحديده من طرف قائد الجيش الجزائري.
و يُنَشّطُ قادة الحراك على مواقع التواصل سلسلة من النقاشات حول ما يجري، حيث يؤكدون أن الإعلام و القضاء يعانون من التحريف و التحكم، و أن الانتخابات في ظل السيطرة على المؤسستين لن تكون ذات جدوى، كما جرى مناقشة الأسماء المرشحة حيث انتقدوا “بلقاسم سحلي”، قائد “التحالف الوطني الجمهوري”، و اعتبروه أحد أبرز من دافع باستماتة عن العهدة الخامسة لـ “بوتفليقة”، كما أنهم عرضوه للسخرية بعدما عجز عن جمع التزكيات للدخول إلى السباق الرئاسي، مما أثار موجة سخرية بين النشطاء، و انتقدوا أيضا ترشح “عز الدين ميهوبي”، الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، الذي تحاول السلطة تقديمه للشعب الجزائري كمثقف و رجل توازنات، لكنه كان أحد داعمي مشروع تغيير “بوتفليقة” بأحد أخوته لملأ الشغور إلى حين الوصول إلى تاريخ الرئاسيات، و لم ينجو كذلك “عبد المجيد تبون”، الوزير الأول الأسبق خلال فترة حكم بوتفليقة، من الانتقاد أيضا، و الذي يدعي أنه ضحية العصابة، حيث يعتبره الشعب الجزائري خائن و متآمر مع “القايد صالح”.
بهذا يكون الحراك الجزائري خلال الجمعة الـ 33، قد أرسل للسلطات الجزائري برأيه الصريح، و المتعارض تماما مع قرارات “القايد صالح”، و أنه لا يخشى السجن و التهديد و التضييق، و حتى حملة التشهير التي يقوم بها الذباب الإلكتروني التابع لوحدات الجيش، حيث صرح أحد المشاركين في المسيرات أن على قائد الجيش يوم 12 ديسمبر إخراج الشعب الجزائري بالدبابات من أجل إرغامه على التصويت.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك