“حفتر” يُسيطر على ليبيا و يُطيح بحكومة “الدبيبة”… و تساؤلات حول علاقة هذا الأمر بالخلاف الجزائري الإماراتي
بـقـلـم:بن بطوش
كمية الكمد في قلوبنا تخبرنا أننا لسنا بخير…، لكن لا بأس…، فقد جُبِلنا على التحمل حتى تُسحق أفئدتنا تحت أقدام الوجع، و هذا لن يمنع عنا التندر من الجراح؛ لأن السخرية أيها القارئ الكريم هي ظل الألم، لذلك أنت مُجبَر على تحملي في هذه المقدمة، التي أبذؤها بمُسلّمة التحرش الذي يضل يوصف بأنه تحرش حتى يفعله رجل نبيل فيسمى غزلا…، و هكذا تعاملت قناة “الجزيرة” عبر كل منصاتها مع زيارة الرئيس الأمريكي للخليج، إذ حين نزل في الرياض قالت أنه جاء لابتزاز سدنة البيت العتيق ببكة و أن الرجل الأشقر جاء يسلبهم المليارات حتى يُعيد بناء الاقتصاد الأمريكي، و عندما نزل بالدوحة، قالت نفس القناة أن الرجل الأول في أمريكا جاء إلى قطر يحمل مشاعر الود للأمير “تميم” و أحضر في حقيبته مخططا اقتصاديا و مشاريع لدولة قطر.
ما أقبح الإعلام إن كان مرتزقا و يرعى القطيع ليسوقه إلى أم المجازر، لأن نفس المنصة التي جيّشت المسلمين ضد الأمير السعودي “محمد بن سلمان”، هي نفسها التي تحمل المضلة لمنع البلل الصحفي عن الأمير القطري المبتسم، رغم أن العالم بكبيره و صغيره يعلم بأن “ترامب” جاء إلى الخليج العربي ليجمع الخراج و يُحصِّل الجزية، و أن قطر – و هي تبحث عن إرضاء الرئيس الأمريكي دون أي مقابل- جهزت للرجل عند وصوله طائرة قيمتها 400 مليون دولار، و خطة استثمار بقيمة 36 مليار دولار لتوسعة “قاعدة العيديد”، مع تحمُّل رواتب الجيوش الأمريكية و تكاليف الصيانة اليومية للعتاد و التجهيزات، مع ضخ وديعة بنكية سيتم تحويلها بعد شهر و نصف من الصناديق السيادية القطرية إلى البنك المركزي الأمريكي بقيمة 1.2 تريليون دولار، على أن تستثمر قطر لاحقا 2 تريليون دولار عبر برامج تضعها وزارة الاقتصاد الأمريكية خلال خمس سنوات فوق التراب أمريكي.
المدمر ليست الجزية التي تدفعها عواصم البترو-دولار لإرضاء “ترامب”، بل المجاعة التي تضرب غزة، و سيكتب التاريخ أنه في سنة 2025 و في أوج الطفرة المالية الخليجية، مات الأطفال و الشيوخ في غزة بسوء التغذية على مرأى و مسمع من الإنسانية و الأمم المتحدة و منظمات حقوق الإنسان التي تترافع تحت الطلب…، و كان يكفيهم للحياة الكريم مليار دولار واحد من حزمة المليارات التي قدمت للرئيس الأمريكي، مع العلم أن قطر هي من ورطت حركة “حماس” في السابع من أكتوبر…، ثم تركت أهل غزة لمصيرهم… صدقوني عدالة القدر تتجاوز المنطق البشري… !!
نُنظف مشاعرنا من هذا الملف، و نفتح قضية ليبيا الجراح و قتال الإخوة الأعداء، و قبل البدء أعود لأذكركم بما أفتينا به قبل أشهر، بأن الحل الليبي كان ممكنا في مفاوضات الصخيرات، لَيْتَهُم لم يتوقفوا عن الاجتماع هناك، حيث كانوا على بعد جلستين من الاتفاق، لكن مرة أخرى يؤكد الحليف الجزائري أن يديه تفرق و لا تجمع، و أن نواياه تناقض خطاباته، و لو أن قصر المرادية أراد الإصلاح بين الإخوة الليبيين لوفقه المولى لذلك، و لكن نجل “بوبغلة” كان يرى في اتفاق “الدبيبة” مع “حفتر” تهديدا لمصالحه بحقول غدامس.
ما حدث في ليبيا أن المشير “خليفة حفتر” كان منشغلا بإعداد خطة توحيد ليبيا التي وضعها مع مصر /السيسي و الإمارات العربية بمباركة أمريكية، و كان القياس أنه سيعتذر عن المشاركة في احتفالات عيد النصر بموسكو حتى يتفرغ لقيادة المعارك على طريقة “أحمد الشرع” في سوريا، لكن “بوتين” أرسل له طائرة خاصة لإحضاره مع نجليه، و اجتمع معه، و أطلع “بوتين” على خطته لتوحيد ليبيا و وافق عليها هذا الاخير بعد أن تأكد بأنها لن تؤثر على مصالح روسيا في ليبيا و المنطقة، و طلب “حفتر” من روسيا أن تضمن له حياد أنقرة و أن يأمن مكر كبير الإخوان “أردوغان”… و كذلك حصل، فأبلغ “حفتر” الرئيس الروسي أنه قدّم ضمانات لواشنطن و باريس بأن مصالحهما لن تتعرض للمساس أيضا، و أنه سيحافظ على الاتفاق الذي وقعه الثوار مع “ساركوزي” قبل إسقاط حكم “القذافي”، و بعد حصوله على الضوء الأخضر الروسي هاتف قيادة قواته لبدأ الزحف نحو طرابلس.
الخطة كانت مخابراتية أكثر منها عسكرية و معقدة جدا، حيث كانت الخطة تقتضي قطع الذراع الجزائرية في ليبيا التي تضمن التوازن لحكومة “الدبيبة”، حيث تم في كمين قتل القيادي العسكري “غنيوة”، و اسمه الحقيقي “عبد الغني الككلي”؛ الخباز الذي كان مسجونا و بعد سقوط حكم “القذافي” و هروبه من السجن جندته الأجهزة الجزائرية و مكنته من العتاد و الأموال لغنشاء ميليشيا مسلحة من أجل الحفاظ على طرابلس من السقوط، و حتى يدعم حكومة “الدبيبة” ضد “حفتر”، ليجد “غنيوة” نفسه رجلا من القيادات المؤثرة في الوضع الأمني بليبيا، فأصبح – و هو الصعلوك- يفاوض كبار ليبيا و يلتقى بالموفدين الدبلوماسيين كي يُملي شروطه عليهم و هي –بالمناسبة- شروط النظام الجزائري، و وصلت به القوة و الوقاحة إلى التحكم في التعيينات الوزارية و القيادات العسكرية، و كان يُقيد حركة “الدبيبة” و يمنعه من التصرف دون موافقته (أي موافقة الجزائر)، و يفرض على حكومة طرابلس الموافقة على إتباع الحليف الجزائري في كل المغامرات الإقليمية و الدولية، و كان يسمح لـ “سونطراك” باستخراج المحروقات الليبية من الغرب الليبي دون الإعلان عن الكميات مقابل منحه ربع العائدات.
قد يكون الذي عجل بسقوط طرابلس هو التجرؤ الجزائري على الإمارات العربية، و لا أحد يستبعد هذا الرأي؛ لأن الإمارات العربية قررت مواجهة الجزائر بكل ما تستطيعه، لكن ما حصل داخل ليبيا فاجئ النظام الجزائري الذي لم يتوقع سرعة انهيار “جهاز دعم الاستقرار” التابع لحكومة الوحدة الليبية، لأن الضربة العسكرية للمشير “خليفة حفتر” كانت ذكية جدا و تستند إلى معطيات مخابراتية قوية و تحظى بالدعم الدولي، و هذا جعل الأصوات الإعلامية في طرابلس تتعالى و هي تنادي قصر المرادية و تبلغه أن “حفتر” تجاوز الخط الأحمر، و أن حكومة “الدبيبة” و مجلس طرابلس انهارا و فر أعضاؤهم و لا أحد يعلم مكانهم، و أن ما حصل في سوريا يتكرر في ليبيا، فهل يستطيع الجيش الجزائري التورط في هذه الحرب؟ …و إضافة بضعة آلاف من الشهداء إلى سجل الشرف الجزائري، كي يمنع محاصرته من كل الجهات، عطفا على تصريحات الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” في حوارات صحفية سابقة، حين أعلن أن من ضمن الخيارات لحماية طرابلس هو الخيار العسكري؟… أم أن الأمر محض عنتريات لخلق الشو الإعلامي، و أن النظام الجزائري سيقبل بالوضع الجديد و سيتحمل السكن إلى جوار “حفتر” و يسلمه مفاتيح حقول غدامس و هو كسير العين؟؟؟؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك