بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
تقول الحكاية، أن أربعة أطباء متخصصين في جراحة العظام، كانوا خارج دوام العمل يجلسون حول طاولة مقهى على قارعة رصيف، يستمتعون بارتشاف فناجين القهوة، فظهر لهم في الطرف الآخر من الرصيف رجل يعرج و هو يحاول بصعوبة إكمال خطواته لقطع الطريق باتجاههم…، فقال أحد الأطباء: هذا الرجل مُصاب بالتهاب في مفصل ركبته اليسرى…، فرد عليه زميله: قد يكون مجرد التواء في الكاحل…، لكن ثالثهم قال: ما يعانيه هذا الرجل هو التهاب أخمصي في وجه القدم لأنه لا يستعمل وجه القدم و الأصابع…، فيما رأى رابعهم أنه لا يستطيع رفع ركبته فقال: يبدو ذلك بسبب خلل في خلايا عصب الحركة السفلى..، و حين انتهوا من تشخيصهم، كان الرجل الأعرج قد وصل إليهم و وقف بجانب طاولتهم، و بادرهم بسؤال: أين بإمكاني أن أجد أقرب إسكافي لإصلاح حذائي… !!!؟
درس الحكاية يدفعنا إلى فتح ملف علماء القضية الصحراوية و محلليها و مراكز الدراسات الخاصة بها و عباقرتها و فقهاء سياستها و أشراف الدبلوماسيين المنتسبين إلى جيش “ولد السالك”، و النحويين الذين لا تتوقف تعابيرهم اللغوية عن إنتاج الانتصارات بجرة قلم من خيالهم، الذين فردوا “ماعين أتاي” و حضروا الكؤوس المخصبة، و فتحوا هواتفهم و بدؤوا في الإفتاء على الشعب الصحراوي و إطلاق الإشاعات التي نسوا أن الزمن يمسحها مسحا و يُبهت أهلها كما بهت “النمرود” أمام نبي الله “إبراهيم” عليه السلام…، و أن الحقائق لا يمكن مسحها بالتأليف، لأن تلك الحقائق اليوم تقول أن واقع قضيتنا مر و عصيب، و أن أي اجتهاد فيه يجب أن يكون خارج العواطف لضبط الحقائق و عدم توهيم الرأي العام و التسبب في الإحباط له.
فالأخ “إبراهيم غالي” هذه المرة تحسب له أنه لم ينبس ببنت شفة لوسائل الإعلام حول إمكانية أن يعدل الرئيس الأمريكي الجديد “جو بايدن” قرار سابقه “دونالد ترامب” و يسحب إعلان هذا الأخير الفظيع حول الصحراء الغربية، و إحجام الأخ القائد لا نملك عليه لا نعرف إن هو من باب العلم المسبق بالوضع الصعب للقضية و استحالة تغيير الموقف الأمريكي، أم نتيجة مشاوراته مع الحليف الجزائري الذي يتكلف اليوم بالقضية الصحراوية من ألفها إلى يائها، و يمنع الأخ القائد من التصريح برأيه لوسائل الإعلام، و يضعها في أولوية أولوياته، لدرجة أنه عطل كل مشاريع الجزائر حبا في نصرة الشعب الصحراوي و بحثا عن العدالة التي طمسها عنا الرئيس “ترامب” بجرة قلم.
مع وصول “بايدن” إلى البيت الأبيض، كتب مثقفوا القضية بدءا من “الساهل ولد اميليد” الذي تكهن بأن مفعول القرار الأمريكي لن يصمد سوى بضع أسابيع، و بعده “سعيد زروال” الذي لم ينشر لنا بعد سلفياته الحربية من جبهات القتال كما وعد، إلى آخر مدوني المخيمات ممن يفتح في وجهوهم أبواب جحيم سجن “الرشيد” الرهيب إن هم أساؤوا الأدب فيسبوكيا مع كبير البيت الأصفر و من والاه، حيث أخبرنا هؤلاء المثقفون الكاذبون بأن الرئيس الجديد للولايات المتحدة الأمريكية بدأ أخيرا مراجعة كل قرارات سابقة، و أنه أعلن قبل تسلمه السلطة عن إحداث إصلاح كبير في سياسة أمريكا اتجاه القضايا الدولية، و في مقدمتها قضية الملف النووي الإيراني، و اتفاقية المناخ و مساهمات أمريكا في منظمة الصحة العالمية، و نتائج التحقيق في مقتل “خاشقجي”…، و أن عدد القرارات التي ستراجع تتجاوز الـ13، لأنها أخلاقيا محرجة لدولة عظيمة في حجم أمريكا.
و أضاف عرّافو القضية بأن الاعتراف الأمريكي بسيادة الرباط على الصحراء الغربية و إنشاء قنصلية أمريكية بمدينة الداخلة المحتلة لن يطول أكثر من أسابيع، و سيكون نصرا صحراويا مدويا حينها، و الغريب أن وسائل الإعلام الرسمية للحليف الجزائري أخلوا كثيرا بالأعراف الإعلامية التقليدية، و لم ينتبهوا و هم ينقلون فتاوى المدونين الصحراوين بأن حماسهم لنصرة قضيتنا الصحراوية أنساهم قضايا الأمة العربية الكبرى، و أسقط من حساباتهم قضية السفارة الأمريكية في القدس الشريف…، هذه الملاحظة قاسية شيئا ما، و لا تليق أن نسوقها لبلاد الشهداء الذين حُفِرَ حب أولى القبلتين في قلوبهم، لأن رمزية بيت المقدس في قلوبنا تتساوى مع قدسية الوطن و تزيد عليه، و كان حريا بالنظام الجزائري أن يوزع الحب و الدفاع و التضحية بالتساوي على القضايا المصيرية للأمة العربية و أن لا ينسى وزير الخارجية الجزائري “بوقادوم” قضية القدس ا و هو يجوب الأقطار الدولية بطائرته النفاثة، و هذا ندرجه و نذكر به من باب الأمانة و إخلاء الذمة.
ما حصل من مغالطة اشترك فيها قادتنا و الإعلام الجزائري و الشعب الصحراوي، و كان أبطالها من الذباب الالكتروني للبيت الأصفر، أن في طقوس التنصيب الرئاسي لأمريكا، يتم تخصيص أرشيف فيدرالي ينقل له كل ما يتعلق بالرئيس المنتهية ولايته، و إفراغ الصفحات الرسمية للبيت الأبيض للرئيس الجديد، و بذلك فإن القرارات و المراسيم الرئاسية الخاصة بـ “ترامب” تم وضعها في صفحات الأرشيف الفيدرالي التابع للبيت الأبيض، لكن ضعف فهم إعلامنا و مناضلينا و مدوني القضية الصحراوية…، جعلهم يروجون لخبر إلغاء قرارات “ترامب”، بما فيها قرار الاعتراف الأمريكي بسيادة الرباط على الصحراء لمجرد عدم العثور على الصفحة، و هو الأمر الذي تسبب في إحراج كبير للدولة الصحراوية و البيت الأصفر و حتى الإعلام الجزائري الذي انساق وراء الإشاعة.
ظهور روابط الأرشيف الرئاسي الفيدرالي الخاص بـ “ترامب” و التي تقود إلى الوثيقة التي وقعها الرئيس المنتهية ولايته بخصوص الصحراء الغربية، لم تكن وحدها المتسببة في الإحراج لنا، بل أيضا ما قاله الرئيس الأمريكي الجديد الذي أجاب على سؤال يخص تطبيع العلاقات بين إسرائيل و المغرب بوصفه ذلك التطبيع على أنه “خطوة كبيرة نحو السلام”، و هو ما يؤكد أن الاعتراف الأمريكي لا يتعلق بشخص الرئيس بقدر ما أنه قرار دولة، و المستقبل يوشي بأن هناك أشياء أكبر من الاعتراف في قادم الأيام سنراها، لأن وزراء و قادة أمريكا الذين اختارهم الرئيس “بايدن” و عددهم 11 هم يهود من أصول مغربية، و هم “أنتوني بلينكين” وزير الخارجية، “ديفيد كوهين” نائب مدير وكالة المخابرات المركزية، “ميريك جارلاند” المدعي العام، “أفريل هينز” مديرة المخابرات الوطنية، “رونالد كلاين” رئيس الأركان، “إريك لاندر” مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا، “راشيل ليفين” مساعد وزير الصحة، “اليخاندرو مايوركاس” سكرتير الأمن الداخلي، “آن نويبرغر” مديرة الأمن السيبراني في وكالة الأمن القومي، “ويندي شيرمان” مساعد وزير الخارجية، “جانيت يلين” وزيرة المالية…. و هذا يفيد بأن القرار السياسي الأمريكي من الآن فصاعدا سيحترم أجندة الرباط، و لعل قيادتنا منذ الآن بدأت تقتنع أن القرار الأمريكي بخصوص الصحراء الغربية في عهد “بايدن”… باقي و يتمدد، و كل أمانينا أن لا تظهر قرارات أخرى أشد ثقلا على قلوبنا.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك