بـقـلـم: بن بطوش
نحتاج دوما إلى دروس التاريخ كي نفهم هذا الواقع المعقد و المتغير، ذلك أن أزمة جزيرة الخنازير أو ما يعرف إعلاميا بأزمة الصواريخ بكوبا، يوم اكتشفت أمريكا أن موسكو تعمد إلى نقل صواريخها الباليستية و تنصبها في منصات على بعد أميال من الحدود الأمريكية، قال حينها الرئيس “كينيدي” مخاطبا الروس: “خذوا أسلحتكم و أوقفوا نقل الصواريخ إلى كوبا و إلا أغرقت تلك السفن، أو إن كان ذلك سيتسبب في حرب عالمية ثالثة… فليكن”، و ما يعرفه العالم حتى الآن أن الروس-أو الاتحاد السوفياتي سابقا- سحبوا تلك الأسلحة، لكن الواقع أن الأمريكيين أرسلوا عقلائهم إلى موسكو و حصلت التسوية بأن تفكك أمريكا منصاتها الصاروخية بتركيا مقابل أن تسحب روسيا صواريخها من جزيرة الخنازير…. أتحدث عن العقلاء و دورهم في صناعة التاريخ.
هذا بالضبط ما حصل بين الرباط و مدريد، و كما أوردنا في مقالنا السابق بأن نائبة وزير الخارجية الأمريكية التي قامت بزيارة إلى دول شمال إفريقيا حملت في برنامجها ثلاثة أهداف من أجل حماية الدول الأوروبية من حركات الانفصال التي أحيتها حرب “بوتين” و بدأت باستقلال لوغانسك و دونيتسك، و قلنا أيضا أن الانفصاليين الكطلان في إسبانيا بدؤوا يعيدون تشكيل منظمتهم و هم يهيكلون أنفسهم للمرور إلى مرحلة جديدة من النضال السياسي، رغبة في الانفصال عن إسبانيا و أن تمثيلية الكطلانيين في شمال إفريقيا أعلنت عن نقل مكتبها من تونس إلى الرباط، و أن هناك ترويج إعلامي لجعل مكتب الرباط أول سفارة لكتالونيا في العالم.
هذه المعطيات و المستجدات أفزعت حتى قصر المرادية بسبب ملف منطقة لقبايل، و هذا ما يفسر ارتباك الجزائر في الرد، و استهلاكها لأزيد من 24 ساعة من اجل اتخاذ قرار مضطرب و الاكتفاء باستنساخ السلوك الدبلوماسي للرباط، خلال ما يعرف بأزمة “بن بطوش” و أزمة برلين، و استدعاء السفير للتشاور و تعليق عمل السفارة، دون الانتباه إلى أن ردة الفعل هاته تكفي لإدانة الحليف أمميا، و تزكي موقعه كطرف رئيسي في النزاع، مع إصدارهم بيان متأخر يكشف حجم الوجع في قلوب صناع القرار الجزائري، الذي خلفه الدعم الإسباني لمقترح الحكم الذاتي.
ردة الفعل المتأخرة للحليف الجزائري يبدو كانت أكثر قبحا من الصمت الدبلوماسي، لأن واشنطن – حسب الملاحظ – تضع الجزائر أمام خيارات صعبة لا يمكن القفز عليها، و أظهرت أن الإسبان اتخذوا القرار بأريحية بعدما حصلوا من الولايات المتحدة الأمريكية على ضمانات للضغط أكثر على الجزائر، كي لا تخلف وعودها في اتفاقياتها التي انتزعتها وزيرة الخارجية السابقة “لايا غونزاليس” من وزير الخارجية الجزائري السابق “صبري بوقادوم”، لقاء حصول الأخ القائد “ابراهيم غالي” على العلاج داخل إسبانيا، حيث يبدو أن صفقة العلاج تلك هي أكثر الصفقات الجزائرية خسارة على الإطلاق منذ سنة 1962؛ لأنها تقضي بحصول إسبانيا على 12 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري سنويا و لمدة عشر سنوات، مقابل ثلث الثمن الدولي، و هذا ما يفسر صمت المواطن الأسباني و عدم اهتمامه بموجة الغلاء التي تعصف بالعالم.
نضيف إلى كل هذا الاعترافات الأخيرة التي أدلى بها مدير المخابرات السابق الفنزويلي “هيغو كرفاخال” و التي أحرجت النظام الجزائري كثيرا و أثرت على ثقة الإسبان بقصر المرادية، بعد أن أكد مسؤولية الجزائر في تهريب مجموعة الكطلانيين الـ 17، المتهمين بالإرهاب و التخريب و تنظيم عمليات اغتيال ضد مسؤولين ملكيين إسبان…، مما زاد من تأليب السياسيين الإسبانيين ضد النظام الجزائري، و أغضب الرأي الإعلامي المدريدي ضد سلوكيات العسكر في الجزائر، و يمكن القول أن النظام الدولي بقيادة أمريكا، الحليف الأول للرباط، مدعوما بالرأي العام العربي، يتجه نحو شيطنة النظام الجزائري الذي فشل في آخر أوراقه “مشروع الطريق البحري السري” مع مصر، بسبب المواقف السياسية و الخلاف مع الرباط و شنآن القمة العربية…، و هذا يمنح حكومة “سانشيز” الشرعية الكاملة لمحاصرة قصر المرادية جهويا و امميا و تزكية هذه الشيطنة.
نعود إلى ما جاء في إعلان القصر بالرباط و كيف عبر عن ترحيبه برسالة رئيس الحكومة الإسباني “سانشيز”، التي يمكن تصنيفها في سلم الخيانات أنها طعنة بحجم الاعتراف الأمريكي أو بحجم تسليم الصحراء الغربية سنة 1975 للأمواج البشرية المغربية، حيث أعاد البيان الصادر عن القصر بالرباط نشر أهم محاور رسالة رئيس الحكومة التي بعثت، بعد مشاورات عميقة بين الحكومة الإسبانية و قصر لباردور و الأخذ برأي الإليزيه و برلين و واشنطن…، رغم المعارضة القوية من حزبي “بوديموس” و “فوكس”، و تعامل القصر في الرباط مع تلك الرسالة بمبدأ رد الاعتبار، و استرجاع الكبرياء و الثقة اللذان فقدا نتيجة ما تراه الرباط خيانة إيبيرية لروح الجوار و الصداقة، و هذا ما يفسر اختيار “سانشيز” لعبارات الصدق و النوايا الحسنة و بناء علاقات جديدة واصفا المغرب بالصديق الكبير و الحليف.
خطورة الرسالة أنها تمثل صك التزام يجعل هيبة الدولة الإسبانية تحت أقدام الرباط، حيث استخدم “سانشيز” عبارات تحمل في ثناياها لغة الخضوع عبر قوله: “أود أن أؤكد لكم أن إسبانيا ستحترم على الدوام التزاماتها و كلمتها”، و هذا الموقف يذكرنا بكلام الرئيس الجزائري المؤقت الراحل “بن صالح” أمام الرئيس الروسي “بوتين”، خلال اللقاء الجزائري الروسي، عندما أبدى خضوعا و خنوعا و هو يقول أمام وسائل الإعلام: “إنني جئت لأطمئن فخامتكم أن الوضع في الجزائر متحكم به”؛ و كأن الجزائر ولاية روسية، حينها تبسم الرئيس “بوتين”… و لكم أيها القارئ أن تضع القياس عن مشاعر النظام المغربي و هو يقرأ عبارات “سانشيز”، المكسور دبلوماسيا، و ما تشكله من إحراج سياسي و دبلوماسي للرأي العام الإسباني، فهل هذا يعني أن الرباط بلغت من القوة ما جعل رئيس حكومة اسبانيا يدخل بيت الطاعة… قهرا؟ !!
لا نمتلك أيها القارئ الكريم عناصر الإجابة عن هذا السؤال، لكن فهمنا يمنحنا صورة شبه مكتملة عن الوضع، كي نحدد الفقرة الأكثر خطرا و الأكثر خبثا في الرسالة، و التي تبدو انتقامية من رئيس الحكومة الإسباني في حقنا كصحراويين، هي ختمه لها بالقول: “أنه سيتم اتخاذ هذه الخطوات من أجل ضمان الاستقرار و الوحدة الترابية للبلدين”، و لا شك أن الخطوة المقبلة ستكون رفض الرباط لتمثيلية الكطلانيين أو فرض الرباط على الكطلانيين، إنشاء مكتب ميت دبلوماسيا، و بالمقابل ستضيق إسبانيا على تمثيلياتنا في كل مقاطعاتها و على أنشطة قضيتنا و على قياديينا و مناضلينا الخناق، و قد تصدر مذكرات في حق بعضهم…، قد ترونها مبالغة لكن خيانة الأيبيريين لا حدود لها…، سأذكركم و لو بعد حين.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك