بـقـلـم : بن بطوش
بدا خطاب الرئيس الجزائري و هو يعتلي كرسي المؤتمر – الاجتماع (لقاء الحكومة – الولاة)، ثوريا و قوميا و عاطفيا…، افتقدنا -منذ زمن- نظيره في الأوطان العربية، و يذكرنا كثيرا بخطابات القادة الأوروبيين قبل و خلال الحرب العالمية الثانية…، “هتلر” و “موسيليني” و “ستالين” و “دوغول” و “فرانكو”…، الذين ألهموا عرب ما بعد الحرب العالمية، “جمال عبد الناصر”، “صدام حسين”، “حافظ الأسد” و بشكل متأخر قليلا “معمر القذافي”…، اليوم يعيدنا الرئيس الجزائري بأبياته الشعرية و حركات يده التفاعلية، و نبرة صوته المتصاعدة… إلى ذلك العصر، الذي يقول الراحل الدكتور “أحمد توفيق” عن قادته أنه في وطننا العربي “تسعة من عشرة أشخاص تقابلهم يعتقدون أنهم عباقرة و خلقوا قادة…، ربما لو طلبت من أحدهم قيادة غواصة نووية لوافق على الفور”، بمعنى أن هوس هؤلاء بالعظمة و القومية الزائدة، قد يحولهم إلى انتحاريين يدمرون كل ما تلمسه أيديهم…، و حتى لا يفهم قراء موقعنا من دولة الحليف أننا نتطاول على الرئيس الجزائري، أجدني مضطرا للشرح و القول أن هذه العينة متوفرة كذلك و بكثرة في الكهف الأصفر بالرابوني؛ يعجبك حديثهم… لكن قلوبهم غلف و لسانهم كذوب و أبعد ما يستطيعونه بث تسجيل “عنتري” على تطبيق التراسل…، لكنهم أبدا لا يصلون إلى قوة خطاب الرئيس “تبون”.
سنحاول في هذا المقال وضع خطاب الرئيس الجزائري على سكة الواقعية لرصد مدى التطابق بين النقل و العقل، لأن تلك التصريحات – الخطاب خلفت جدلا على كل المستويات الداخلية و الخارجية في الشأن الجزائري، و أيضا تسببت في نقاش صحراوي داخلي حاد جدا، و أثار أسئلة كثيرة خصوصا في الشق المتعلق بسياسة التصدير الجزائرية، و التي علق عليها الصحراويون في أرض اللجوء مثل الجزائريين، أنها ربما تكون السبب الذي أدى إلى نقص حاد في المواد الأساسية داخل المخيمات و داخل المدن الجزائرية و تسببت في الطوابير الطويلة على المواد الأولية، و تراجع قفة المساعدات الممنوحة للمواطن الصحراوي، لأن حسب ما جاء في الحوار الداخلي المغلق لأهالينا في المخيمات، الجزائر لم تعلن منذ بداية العهدة الثالثة للرئيس الجزائري الراحل “بوتفليقة” عن مشاريع إنتاجية، و لم توسع حقول الزراعة و لم تطور صناعات تحويلية غذائية…، بل أغلقت مؤسسات عديدة و حولت أخرى وجهتها إلى دول الجوار…، فمن أين أتى الاقتصاد الجزائري بالمواد التي تصدرها و التي قال “تبون” أنها بلغت 3.5 مليار دولار خارج المحروقات.. !!!؟؟؟
في ذلك الاجتماع الذي ترأسه “تبون” و حضره ولاة البلاد بعدما نادوا فيهم من كل فج عميق، و ظهر بينهم قائد الجيش “شنقريحة” الذي يرافق “تبون” كالظل، قال الرئيس الجزائري بنبرة اليقين أن الجزائر قوة إقليمية و قوة ضاربة في المنطقة و أن العالم يعرف هذا… فقط بعض الجزائريين لا يقتنعون بهذا الأمر و يفضلون انتقاد بلدهم، و هو ما أغضب الرأي العام الجزائري الذي تساءل ما نوع السلاح الفتاك الذي تصنعه الجزائر سرا و تصدره لدول العالم لتكون قوة عظيمة، و متى ستسلم إيطاليا طلبية حاملة الطائرات التي تصنع بوهران على أيدي مهندسين جزائريين، ما رتبة الجزائر في الاقتصاد العالمي؟ و هل تأتي قبل الصين أم بعدها؟ كم من طائرة في سماء العالم تحمل علامة صنع في الجزائر؟؟؟؟…، كم فجر الجيش الجزائري من قنبلة نووية كتجارب في جبال فرنسا…؟؟
تبقى تساؤلات الشعب الجزائري مشروعة، و شأن داخلي لا يمكننا أن نجيب عنه بالنيابة، و كما العادة و حين قرر الرئيس “تبون” فتح ملف المؤامرات على الجزائر و العداوات التي تستهدف هذا البلد، قال أن 97 موقع تهاجم الجزائر من دول الجوار باستثناء دولة تونس…، غير أن الرئيس الجزائري و هو يصرح بعدد المواقع التي تهاجم الجزائر من ما أسماه دول الجوار في إشارة إلى المغرب و موريتانيا و ليبيا و مالي…، لم يعلمه أحد من خبراء الأنظمة المعلوماتية داخل الجيش الجزائري أو وزارة الاتصال، الذين أحصوا هذه المواقع العدائية للجزائر بأن الرقم (97) موقع معادي، هو هزيل جدا بالنسبة لدولة ضاربة و تعتبر نفسها قوة إقليمية، و حتى أفسر الأمر فسأرد عليكم بعض الأرقام من معهد IBM الأمريكي، الذي يقول بأن الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” تعرض خلال الحملة الإنتخابية فقط لسبعة ملايين هجوم إعلامي بين مقال و تدوينات و تغريدات استهدفت اختراق حملته… و أن الأمر يدخل ضمن اللعبة الديمقراطية و حرية التعبير.
و أن الرئيس التركي “الطيب رجب أردوغان” – حسب نفس المعهد- يتعرض سنويا لثلاثة ملايين هجمة إعلامية…، فيما موقع “فايسبوك” يتعرض لأزيد من 90 مليون هجمة إعلامية و أكثر من نصف مليار عملية اختراق حسابات، و أن مجموعة EBAY الأمريكية أعلنت تعرض 140 مليون حساب لزبنائها للاختراق و أن الهجوم كلفها ملايير الدولارات كخسائر…، وسط هذه الأرقام التي كشف عنها المعهد الأمريكي للرصد الرقمي و الصناعات الإلكترونية المعقدة…، يمكن الحكم على الرقم الذي كشف عنه الرئيس “تبون” بأنه مخجل جدا، و لا يشرف الجزائريين، و يمكن اعتباره معضلة تنتقص من سمعة و جبروت و عظمة القوة الإقليمية التي تستحق أن تكون الهجمات عليها مليونية، لأن السؤال هو لماذا فقط 97 موقع يهاجم دولة بحجم الجزائر ؟، ألم يكن الأولى أن يتسبب نجاح الجزائر في ظهور عداوات أكبر، و أن تكون المواقع المهاجمة بالملايين…؟؟
فقط عدد الجزائريين المعارضين للنظام و الذين ينشطون في أوروبا يتجاوز الـ 1000 ناقم على قصر المرادية و نظام العسكر، لهذا فالرقم المقدم من الرئيس الجزائري يؤكد أن الجزائر ليست على لائحة الانتقاد الدولي، و أن المواقع الإسبانية لا تبالي بما يجري في الجزائر بسبب رضا الحكومة الإسبانية على قصر المرادية إثر حصولها على صفقة غاز شبه مجانية، و حصول الألمان على نفس الامتياز و فرنسا التي سبقتهم إلى الوليمة… فمن سينتقد الجزائر؟ حتى المحتل المغربي لا أظنه يبالي بما يحدث داخل الجزائر و منشغل بعقد الصفقات الضخمة، و الدليل أن كلما علق به على قطع العلاقات هي عبارات “أخذنا علما و نتأسف لهذا القرار” ثم سحب سفيره في صمت…، مع العلم أنه حسب موقع ALEXA فالمحتل المغربي لوحده يمتلك أزيد مليوني موقع إعلامي، و في حالة الهجوم على الجزائر سيكون العدد على الأقل مناسبا للنقد، و بالتالي فالـ 97 موقعا التي تهاجم الجزائر دونما شك هي لهواة “الأدسنس” و “البوز”…، لهم قراءاتهم و رأيهم في ما يحدث بالجزائر، خصوصا و أن هذا البلد الحليف توقف منذ زمن عن الإبداع و التطور، و أن ما ينشر ضده هو فقط من بابا عتاب القادة الجزائريين على الخمول الاقتصادي الذي وضعوا فيه البلاد، و خوضهم في قضاياه يجلب لهم أرباح المتابعة.
نمر لفهم استثناء الرئيس الجزائري للدولة التونسية من هذه الهجمات، كي نفهم الوضع التونسي، و كيف أن قصر المرادية راض عنه كل الرضا، و هذا يبيح لنا وضع شرح مبسط للعلاقة التونسية الجزائرية التي تفادينا الخوض فيها منذ مدة، ظنا منا بأن الديمقراطية التونسية و إن اختلت بقرارات الرئيس “قيس السعيد” ستعود يوما لتصلح نفسها، لكن يبدو أن الأخبار الرائجة حول التوغل المخابراتي الجزائري داخل تونس على قدر من الصحة، و أن جهاز DRS يعتو في دولة تونس شرقا و غربا، و أن النظام الجزائري من يقف خلف قرار “قيس السعيد” بحل البرلمان، و أن الجزائر راضية على الحال المنهار للاقتصاد التونسي، و بذلك نعود لنقول، أن أصل الصراع بين الجزائر و الرباط هو حول الزعامة الإقليمية، و أن حقيقة دعم الجزائر للقضية الصحراوية هو من باب إضعاف المحتل المغربي الذي يقول عنه الإعلام التونسي أنه “يطير يطير …. و يكاد يلحق بالدول الخط الأمامي في هذا العالم”.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك