بـقـلـم : بن بطوش
لديَّ كم من الملاحظات و رؤوس الأقلام و الاقتباسات…، جمعتها في مذكرتي كحصيلة لما يجري منذ إعلان الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، تكفي لتأليف كتاب في العلاقات الدولية من الحجم المتوسط، لأن الوثيرة و الإيقاع التي تسير بها الأحداث مفزعة حدَّ الدهشة، و يصعب حتى قياسها على أزمات مشابهة، لكن رغم ذلك فسأختار مقدمتي من غرائب الأحداث التي أطلت علينا من الجزائر العميقة و الجريحة، حيث لا يزال وجع الحرائق يمنع عنا الراحة و الطمأنينة، بعدما قرأت تدوينة لناشط جزائري من أرض المهجر، كتب فيها: “فليشهد التاريخ أن القبائل قاموا بالعزاء، و دفعوا أكبر دية في التاريخ لجريمة لم يرتكبوها…”، و في بحثي عن حقيقة الخبر وجدت أن أعيان مدينة “أربعاء ناثي راثن”، يقودهم الشيخ “سعيد بويزري”، قد حلوا ضيوفا كراما على أسرة الراحل “جمال بن عيسى” و قدموا لهم 3 مليارات من السنتيم و 100 من الإبل، و كأن الأمر يتعلق بصلح معركة دارت بين كفار قريش و مسلمي مكة… في بدايات الدعوة الإسلامية…، الخبر أعاد إلينا الإحساس بعبثية القرارات داخل الدول التي ترفض أن تخرج من ثوب القبيلة…، ليبقى السؤال الكبير الذي لن نجيب عنه نحن بالتأكيد: هل هو الإحساس بالذنب ما دفع فعلا دية الشهيد الذي تفرق دمه بين الثكنات ؟ أم صك غفران لإطفاء غضب النظام الجزائري و توسله حتى لا يباشر انتقاما أوسع و أشمل…؟ و هل ثمة ما يجب أن يخشاه أهل لقبايل…؟
سيدعي بعض القراء الكرام أن مقدمة هذا المقال متحاملة جدا على نظام حليفنا الذي وجب منا نصرته ظالما و مظلوما، و الترافع له و لقضاياه…، لكننا على هذا الموقع الحر نقول الحق و إن كان في بيت حكمنا بالرابوني، و لا نروج للشوفينية، و أينما رأينا الانحراف أشرنل له إحياءا لسنة الرحمة و الرحم، و تذكيرا بالمنهج القويم، فلا كنا و لن نكون صوت نعيق للباطل، ولن تكون مقالاتنا إسفين تشظي أو تقسيم…، لهذا سأكون قاسيا مع الجميع سأعاتب الحليف عتاب المحب الغاضب، و سأجلد المحتل المغربي جلد العبيد، و سأعيب و ألوم أهلنا في الرابوني قيادة و مناضلين و رأي عام… على صمتهم المريب و ترصدهم تفاقم الخلاف لتصنيفه نصرا جديدا…
بعدما أنهيت شرح موقف موقعنا الحر من النزاع، نمر إلى تقييم حصيلة الخمسة أيام من القطيعة التي أعلنتها الجزائر من طرف واحد، حيث تبدو حصيلة مخيبة للآمال، ذلك أن الجزائر التي تقود وساطة سلام بين دول مصب النيل لصالح إثيوبيا، فجأة و دون مقدمات، تعلن هذه الدولة المنتمية للقرن الإفريقي غلق سفارتها في الجزائر، و تنشر إعلانا رسميا على حساباتها الدبلوماسية، فيعلق الإعلام الجزائري المهزوز على القرار بأن الإثيوبيين يعللون الأمر بالأزمة المالية للبلاد، و كأن سفارة إثيوبيا بالجزائر وحدها تكلف أديس أبابا ما لا تطيقه من نفقات، مع العلم أنه رواتب موظفي السفارة الإيثيوبية عن بكرتهم لن تنوء به خزينة دولة من حجم إثيوبيا.
لأجل هذا فالقرار الإثيوبي بغاية الخطورة ويحتاج منا لشرح مفصل، من أجل وضعه في سياق الأحداث و التراكمات السلبية المتعلقة بقطع العلاقات بين الجزائر و المغرب، و إرتباط القرار بهذه القطيعة الأخيرة، ذلك أن 46 دولة داخل القارة الإفريقية لها علاقات عميقة دبلوماسية مع تل أبيب، و أنه من ضمن قائمة الدول فقط ثمان دول بمن فيهم الدولة الصحراوية ليسوا على علاقة دبلوماسية ظاهرة مع إسرائيل، و أن هذه الدولة التي حصلت على صفة مراقب داخل الإتحاد الإفريقي، لها روابط استثمارية و اقتصادية و عسكرية و إستراتيجية مع التكتلات الكبيرة في غرب القارة و شرقها و جنوبها، بمعنى أن لها وصول إلى القرار السياسي للدول الـ 46، و الدليل أن معظم تحركات أديس ابابا داخل المنتظم الإفريقي يكون لصالح دولة إسرائيل، و أن تل أبيب حين أرادت الدخول إلى المحفل الإفريقي، لم تجد أدنى صعوبة للحصول على النصاب القانوني.
خطورة القرار تأتي من التوافق التام الذي يحصل في السياسة الخارجية بين تل أبيب و أديس أبابا، و بالتالي فإن تحالفات اسرائيل هي نفسها تحالفات الرباط، بمعنى أن القرار الإثيوبي هو ليس بمعزل عن الأزمة بين المغرب و الجزائر، و أيضا بين الجزائر و إسرائيل من جهة أخرى، وقد نرى تقلبا في المواقف العامة في الأيام القليلة القادمة لدول إفريقية أخرى ذات وزن وتأثير سياسي…، و مع إعلان إثيوبيا القطيعة الدبلوماسية مع الجزائر، بطريقة أنيقة و غير خشنة مقارنة بالطريقة الجزائرية في قطع العلاقات مع الرباط، يكون الصراع الدبلوماسي قد مر إلى مستوى أعلى، و أن على الجزائر الاستعداد للأسوأ، الذي يبدو أن عددا من الدول الصديقة لإسرائيل و الرباط قد تسير على نفس الخيار و تغلق سفاراتها في الجزائر، و قد لا تبقى من إفريقيا غير السفارة الصحراوية داخل العاصمة الجزائرية، نضيف إلى هذا ما سيترتب عن الإغلاق من فقدان التواصل و التعاطف بين الدبلوماسية الإثيوبية و الصحراوية بشكل آلي، و لا يخفى على أحد دور إثيوبيا في إفريقيا، و كيف تتحكم في قرارات الإتحاد المغبون.
الأمور لا تنحصر هنا، فقد أعلنت دولة سيراليون الإفريقية أنها ستفتتح قنصلية عامة لها في مدينة الداخلة المحتلة، مع العلم أن دولة سيراليون كانت دوما داعمة للقضية الصحراوية رغم تدبدب موقفها، و هي من الدول الناطقة بالإنجليزية و التي نجحت جنوب إفريقيا في جعلها تصطف إلى جانبنا لمدة غير يسيرة من الزمن، لكنها اليوم اختارت أن تكون إلى جانب الرباط كي تستفيد من المشروع الفرعوني للأنبوب النيجيري، و أيضا بعد حصولها على وعود من الرباط بمدها بالإنتاج الكافي من اللقاحات كي تعود إلى الحياة بشكل الطبيعي.
ففقدان قضيتنا لوزنها الإفريقي كان منتظرا بعد قرار القطيعة التي أعلن عنها “لعمامرة”، لأن لا أحد ينكر وجود القطبية في إفريقيا، و أن تلك القطبية تبنى على المنافع و المصالح، و دخول دولة بحجم إسرائيل إلى المحفل الإفريقي مع تفعيلها لعلاقاتها الاقتصادية المتحكمة في القرار السيادي لـ 46 دولة إفريقية، تكون قضيتنا قد فقدت معدل صداقة مخيف داخل الإتحاد الإفريقي، يهدد تواجد جمهوريتنا داخل هذا المنتظم غير الثابت مثل رمال الصحراء، و كل هذا يصادف ظرفية اقتصادية صعبة تمر منها الدولة الجزائرية، و لا تساعد البتة على خلق توازن باستخدام دبلوماسية الحقائب التي يتم تمريرها تحت الطاولات.
و ثمة خبر أخير اقتصادي، يتمثل في إعلان شركة “هيونداي” الكورية، نقل استثماراتها من الجزائر إلى منصة “طنجة – ميد”، لتتكالب الكوارث الاقتصادية إلى جانب تلك الدبلوماسية على الجزائر، و تنضاف إليها بيانات الدول مثل فرنسا و البحرين و الكويت و الولايات المتحدة الأمريكية و العربية السعودية و الإمارات العربية…، الذين تأسفوا لقرار الجزائر، و في أسفهم قرأنا التعاطف مع الرباط، و طالبوا بإطلاق حوار مباشر بين البلدين، على غرار ذلك الذي يجري في سرية تامة بين مدريد و الرباط، و مما يعطي الانطباع بأن الجزائر ستعيش ظرفية استثنائية في العلاقات الدولية خلال الأسابيع القليلة القادمة.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك