بـقـلـم : أغيلاس
قبل حوالي الخمسة عقود من اليوم نادت القيادة فينا أن هاجروا إلى أرض الخلاص، و اركبوا سفينة الدولة الصحراوية، كانت مشروعا خديجا، و فر منا من أستطاع ذات ليل في مسير طويل، فيما تشبث البعض بالتراب، و آمن بأن المصير في أرض اللجوء لن يكون أجمل…، هنا الهواء و العشب و التراب يعرفنا و نعرفه، و بعد كل تلك العقود أدرك الجميع بأن المشروع ولد مبتورا، و أن السفينة التي ركبها آبائنا لم تكن سفينة نوح، بل كانت مجرد حافلة تسير على طريق المجهول بسرعة مجنونة، تطاحن على قيادتها بعض ممن لا نفخر بذكر أسمائهم، و تاهت وسط الصحراء مع أول منعرج…، و اليوم هذا الشعب الكريم يعيش شتاتا لم تعشه أمة من قبل، و نحن مخيرين بكل إرادتنا و بكل عدالة ممكنة، في أن نكون لاجئين مقهورين و جائعين و عراة…، أو نعيش مكرهين تحت احتلال.
كان القياس يقتضي أن توكل المهمة إلى المناضل الأقل كلفة في تاريخ النضال الصحراوي “سيدي محمد علوات”، كي يقوم بتجييش النساء و الأطفال و الشيوخ، و إخراجهم كما العادة إلى الكركارات لقطع الطريق و توجيه سيل الاتهامات إلى “المينورصو” كي تنقلها إلى الأمين العام الأممي الذي لم يعد يرد على رسائل الأخ “إبراهيم غالي”، لكن المناضل لم يحصل على الصفقة بسبب ما أطلقه من تصريحات مؤخرا يتهم فيها الجبهة بممارسة العنصرية و الطبقية النضالية، و هددها بفضح المستور و الخفي، خصوصا و أن مناضلي الحجر الصحي الذين علقوا في المخيمات بسبب الوباء حصلوا على 3 ملايين دينار جزائري، فيما هو لم يتحصل إلا على النزر القليل رغم تضحياته و تعريض نفسه للخطر من أجل سواد عيون القادة النبلاء، مما جعله يرفع سومة المهمة رغم معرفته أن القضية تغرق في الأزمة المالية، و يتسبب لنفسه في خسارة الصفقة و بالتالي تكليف بعض الهواة الجدد على النضال بالأمر، فحصل المشهد الذي تناقلته شاشات الهواتف.
ما يحصل في الكركارات خلال الأيام الأخيرة يوشك أن يتحول إلى حادث قد يبنى عليه تبعات لا حصر لها، و البيان (لفضاحة) الذي دُفِعَتْ القيادة إلى كتابته يفسر التوتر الحاصل في مراكز القرار الحقيقية، و ليست تلك التي تتوفر عليها القيادة في “الشهيد الحافظ”، لأن من قام بصياغة البيان توقع أن يستغل المحتل المغربي الوضع الدولي الذي يميل لصالحه كل الميل، و أن يخرج فرقه الخاصة و يعتقل المحتجين مثلما فعل مع “الخطاط بوبيت”، المجرم الذي يعرفه الصغير قبل الكبير بالمناطق المحتلة، و هذا ما سعى إليه المحتجون حين جرى توجيههم إلى تغيير المطالب من وقف نهب الثروات و إغلاق المعبر، إلى المطالبة بإطلاق سراح هذا المجرم، الذي كان موضوع مذكرة بحث دولية.
القيادة الصحراوية اساءت الى القضية الوطنية كثيرا و هي تلجأ الى هذا المطلب المنحط الذي لا يشرف تاريخ الشهداء الصحراويين، لا لغرض سوى لاستفزاز سلطات الاحتلال و التي كما هي العادة، كانت تسبق قيادتنا بخطوة و علموا أن الأمر مجرد جس نبض، تبحث من خلاله القيادة إهداء دولة الجزائر ردة فعل لسلطات الاحتلال كي تستعين بها في مخططها القادم للسيطرة الجيو-إستراتيجية، الذي وضعه تيار الحرس القديم في الجزائر العائد بقوة إلى الساحة السياسية، و الغرض تنبيه المنظمة الأممية إلى التوقف عن تقزيم دور الجزائر دوليا و عدم الاستمرار في مراضاة المحتل المغربي.
قد يقول الذين أعماهم بريق فضة القيادة أنه لا يوجد ما يؤكد بأن الجزائر تقف خلف خروج بضعة أشخاص يطالبون بوقف نزيف الثروات و إطلاق سراح مجرم… !!، و أن الجزائر في غنى عن مثل هكذا سلوك، لكن المتبصرين و العارفين بما يجري من تحولات عميقة في المنطقة يدركون جيدا هذه الخفايا، و يعرفون أن المشكل انطلق مع تعيين وزير العدل المغربي السابق “محمد أوجار” على رأس هيئة أممية لتقصي الحقائق في ليبيا، و إسقاط اسم “رمطان لعمامرة” نهائيا من أي مهمة أممية في ليبيا، و بالتالي إعادة الملف الليبي إلى الرباط، و الدليل أن المحتجين – حسب المقطع المسجل و حسب مصادرنا هناك- أطلقوا على الأمم المتحدة لقب “الأمم المغربية”، و اتهموا “أنطونيو غوتيريس” أنه موظف لدى الرباط… و هو الأمر الذي لا يستطيع أن ينطق به دبلوماسي جزائري و لا حتى صحراوي.
سيعود العُمَاة من بريق فضة القيادة ليقولوا: لو كان الأمر حقيقي لاحتجت الجزائر رسميا على الأمم المتحدة، و لسعت بكل الطرق و استخدمت كل وزنها الدولي لتغيير الوضع…، لكن هذا الكلام لا يجوز بعد أن أصبح “غوتيريس” يتعامل مع الرباط و الجزائر كطرفي نزاع يتصارعان في كل القضايا الدولية، و لا يعير الموقف الجزائري أي اهتمام ، و يفضل مواقف الرباط لأسباب نجهلها حتى اللحظة، ثم أن الجميع يعرف يقينا بأن الجزائر تعيش واحدة من أسوء عهودها، و أن الرئيس الحالي “تبون” فشل في بناء صرح علاقات جديد و قوية دوليا، و أنه فقد كل قدرات الضغط داخل الأمم المتحدة، بعدما توقفت الجزائر بسبب الأزمة المالية عن تمويل اللوبيات داخل المنظمة الأممية و ببروكسيل، و حتى في شمال أوروبا، حيث لم نعد نسمع صوت السياسيين الذين يضغطون على حكوماتهم لصالح الدولة الصحراوية بالسويد و النرويج…، و حتى أمريكا اللاتينية لم تعد ترعى الود كما كان قبلا مع الجزائر و الدولة الصحراوية.
كل ما سبق يزيد من فهمنا لرواية إغلاق معبر الكركرات، و التي لا يمكن فصلها عن تطور الأحداث و تناسلها محليا و دوليا، بدءا من الوضع المتردي داخل الجزائر و الذي يكشف أن “سعيد شنقريحة” يمر من مرحلة ضعف خطرة في تاريخ القيادة الجيش الجزائري، و الدليل أنه أطلق سراح معظم الرموز العسكرية التي سجنها “القايد صالح”، و على رأسهم الجنرال “توفيق” و أعاده إلى دوائر القرار داخل المؤسسة العسكرية، و هو يفاوض اليوم الجنرال “نزار” المتردد ليعيده إلى دائرة القرار، و أن هذه التغييرات الطارئة أثرت على القيادة الصحراوية، حيث ظهر أثرها بعد فرض عودة الحرس القديم لقيادة الجيش الصحراوي أيضا، و تجريد القائد “إبراهيم غالي” من وزارة الدفاع التي ضمها إلى اختصاصاته خلال المؤتمر الأخير، قبل أن يعيد الجزائريون “ولد البلال” لرئاسة الجيش الصحراوي و تقريع الأخ القائد في واحدة من القرارات المهينة جدا لحاكم البيت الأصفر..
المخيف بالنسبة لنا كشعب صحراوي هو محتوى صفة عودة “ولد البلال” إلى قيادة الجيش و التي انكشف جزء منها، في محاولة إغلاق معبر الكركرات، و إذا ما كان هذا الأخير الذي خرج من المؤتمر الأخير منبوذا، و حسب أفراد أسرته كان قد دخل مرحلة اكتئاب شديد أثر على وضعه الصحي، بأن يكون قد قبل العودة لتنفيذ أجندة “خلق الشرارة” لإشعال حرب استنزاف بين المحتل و الجيش الصحراوي، لإرضاء الحرس القديم في الجزائر، و هنا وجه الخطر الأكبر، لأن المعطيات تغيرت و التكنولوجيا التي يمتلكها المحتل أصحبت أكثر تطورا و تدميرا، و الدليل أنه قبل أيام أعلنت الصحف الإسبانية كون طائرات مقاتلة مغربية تمكنت من اختراق الأجواء الإسبانية و وصلت إلى سماء إشبيلية، و لم ترصدها أجهزة الدفاع الأرضية بإسبانيا، إلا حينما همت تلك الطائرات بمغادرة الأجواء الإسبانية، و أنها هي من أرادت كشف نفسها لترك رسالة للدولة الإسبانية، و هنا تقول الصحف الإسبانية أن المحتل ربما يطور أجهزة تشويش محلية ذات تكنولوجيا معقدة أو أنها حصل على تكنولوجيا من جيل المستقبل.
قضية الگرگرات قد تكون إشارة سيئة للشعب الصحراوي على ما يدور في المجهول و خلف ظهورنا، لأن فقدان النظام الجزائري للدور الأول داخل الشأن الليبي و حصول انقلاب أسفل أقدامها بمالي التي تعيش غموضا سياسيا، و اكتشاف الأتراك لحقل غاز يهدد مستقبل الغاز الجزائري، و تنامي دور دولة الاحتلال جهويا و قاريا، و تراجع دور اللوبيات الجزائرية في مراكز قرار العالم، قد يدفع الجزائر لتحويل قضيتنا إلى وقود صراع بينها و بين دولة الاحتلال…، كل هذا ينذر بأن القادم أكثر صعوبة مما توقعناه، و أن الحرس القديم الجزائري قد تكون عودته انتحارية… و أن قيادتنا التي لم تستطع توفير الكمامات للشعب الصحراوي لن تكون لها أي فرصة أمام جيش الاحتلال.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك