Sahra Wikileaks Center
الصحراء ويكليكس يعمل على النهوض بالفعل الحقوقي بالمنطقة وذلك بإزالة كل شائبة عنه

الوضع الجزائري (57): النشطاء يفضحون النظام بكشفهم أسرار نتائج التحقيق السري في أزمة سيولة البريد

بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء

          ثمة حكمة تنسب للروائي البريطاني الشهير “تشارلز ديكنز”، تقول: “لا تكسر اثنين في حياتك؛ الثقة والوعود  لأنها إذا كسرت لا تصدر صوتا، بل الكثير والكثير من الألم”، … و الحكمة تبدو كقاعدة تعامل صيغة على مقاس العلاقة بين الساسة و الشعب في بلاد بحجم  الحليفة الجزائر، حيث مساحات الغموض لا تتوقف عن التمدد، و حيث المواطن تخلى عن حسن نواياه و تأبط غبنه، و أسقط أوراق الثقة في النظام و حلوله، و حيث الغضب و الألم و الشك يصنعون مجتمعا محشوا – حد الاحتقان- كما لو أنه برميل بارود، لا يحتاج كي ينفجر غير اعتراف أخير من النظام بأن البلاد تسير في منحدر الارتجال، ينتهي بجرف سياسي مطل على حافة إفلاس… لا قرار لها.

          يقول أحد الخبراء الجزائريين بالمهجر معلقا على الأزمة المالية التي تضرب “بريد الجزائر”، خلال دردشة فيسبوكية: “أنها أزمة أعمق مما يظهر و ليست وليدة اليوم، لأنها في الأصل أزمة نظام…، و ليست أزمة موارد و لا أزمة كوادر، هي أزمة حكامة ظهرت مع أول رئيس جزائري بعد الاستقلال، كان قد ترك بناء أركان الدولة و انشغل بقتال الضباع التي لا تتوقف عن النهش للوصول إلى المناصب و المنافع… حتى أُسْقِط، فالمؤسسات في البلاد لا تؤدي بالشكل الطبيعي الذي عليه في كل بلدان المعمور، و القرارات تتخذ خارج المكاتب، بالمقاهي و النوادي و الفنادق و الخمارات…، أما  المؤسسات فهي ساحات حرب، و تدور في أروقتها معارك كسر إرادات و صناعة الولاءات…”، و اختتم كلامه متأسفا :”لقد أنْفِقَتْ أموال كثير جدا و لم نحصل على الوطن الذي نريده، و حتى المحاسبة لا تكفي لاسترجاع الثقة و إعادة بناء روابطها مع المواطن المغرم بالديمقراطية الشقراء لبلدان المهجر، لهذا فإن أزمة السيولة لا حدث أمام القادم… فقط أدعوا الله أن يرفع الوباء و يعود الحراك لتطهير الجزائر”.

          ما جاء في كلام الخبير الجزائري يثبت أن الخروج الإخباري، لـ”عبد الكريم دحماني”، المدير العام لبريد الجزائر، لم يقنع الجزائريين، و كل ما قدمه كان مجرد تبريرات لإنقاذ الأعناق، و طمس نتائج التحقيقات التي باشرتها الرئاسة لكشف المؤامرة، تلك التبريرات تفيد بأن نقص السيولة المسجل يعود أساسا إلى نقص التعاملات المالية على مستوى مكاتب البريد بسبب الوضعية الصحية التي تعيشها البلاد و حالة الإغلاق، أي أن البريد فقد مصدرا مهما للتمويلات بسبب توقف معظم القطاعات لفترة غير وجيزة دامت لثلاثة أشهر، و خلال تلك المدة كان المواطن الجزائري يسحب ودائعه و راتبه و تقاعده…، كي يضمن تمويلا لحياته اليومية، مما ينفي نظرية المؤامرة التي توقع الرئيس “تبون” وقوفها وراء فراغ خزينة البريد و اصطفاف المواطنين لأيام أمام شبابيك البريد دون حصولهم على الأموال التي يمتلكونها… كانت هذه رواية الدولة و النسخة الرسمية من التبرير.

          لكنها رواية منقوصة و الدليل أن الأزمة تتفاقم و لا ترى الطريق إلى الحل، لأن عدم تمكن المواطن الجزائري من سحب أمواله، جعل العديد يلجؤون إلى التعامل بالشيكات و الدفع المتأخر، أي أن المواطنين خلقوا نظام تعامل مصرفي جديد، زاد من تأزيم الوضع و عقد مأمورية البريد، بمعنى أن الذي يمتلك حسابا في البريد يشتري و يقدم شيك غير قابل للصرف مرحليا، ظنا منه أن الدولة سوف تتدخل لتمنح الأموال لحامل الشيك بعد أن تحل أزمة السيولة، و هذه العملية زادت من إرهاق البريد و خلقت توترا و قلقا لدى التجار الذين هم أيضا طالبوا بضمانات من البريد للإبقاء على أموالهم و حساباتهم، و هددوا بتحويل تلك الودائع إلى البنوك التي هي في الأصل ليست غير شبابيك بنكية.

           كل هذا الشك و الارتجال و عدم الثقة أدى في النهاية إلى انهيار منظومة البريد، وسط تخوف رسمي من انفلات الأمور في حال جرى إعلان الدولة الإفلاس النهائي لهذه المؤسسة، تجنبا لموجة حراك قد تكون عنيفة، ومشابهة لما حصل في لبنان و قبلها اليونان، الشيء الذي عجل بحلول كانت في مجملها ترقيعية، منها ضخ “سوناطراك” عبر حسابها في البنك المركزي لجزء من الاحتياطي النقدي المخصص للاستثمار في وديعة بالبريد لتوفير السيولة، و اعتماد نظام صرف رقمي عبر كود QR أطلق عليه نظام PAY…، و منع الأشخاص المعنويين (الشركات و المؤسسات) من القيام بأي عمليات سحب، غير أن السؤال الذي حير النشطاء الجزائريين، أين نتائج التحقيق…؟ و لماذا لم يكشف عن كل تفاصيلها ؟ ثم من المستفيد من أزمة السيولة ؟

            ما يخفيه قصر المرادية بشأن الأزمة المالية العميقة التي تغرق فيها البلاد، و التي أزمت سيولة بريد الجزائر تشكل الجزء المكشوف من جبل الجليد، عثر عليه النشطاء الجزائريون، الذين يجمعون بأن النظام يتصارع مع نفسه، و أن وزير المالية حين شخص لسوائل الإعلام أسباب الأزمة، قال: “أن لا وجود لأي نقص بقدر ما أنه تدبدب و عدم توازن في توزيع تلك السيولة على المراكز”، و هو ما نفاه المدير العام لاحقا للبريد حين أعلن أن هناك نقص سيولة بسبب الأزمة الصحية التي هزت عرش المحروقات الجزائرية، و تسببت في انهيار عائدات الدولة، لكن ما لم يكشفه أحد أن انفلاتا داخل النظام الجزائري قد حصل، و أن هناك من سرب معلومات للبنوك تخص نية النظام الجزائري التوجه إلى العمق الإفريقي مصرفيا، مما جعل المصارف تتعاقد سرا مع مسؤولي الصرف داخل البنك المركزي الجزائري بعدما اشترت ذمم أطراف في النظام، و بالتالي سيطروا على ما تبقى من سيولة البنك المركزي في تعاقدات سرية، استعدادا لمرحلة المواجهة مع بنوك دولة المحتل المغربي في العمق الإفريقي، و هي المواجهة المحسومة مسبقا بسبب خبرة بنوك هذا الأخير و قوتهم المالية و التمويلية.

           لا يكتفي النشطاء بكشف هذه المعطيات، بل يتحدون سرية النظام بحصولهم على معطيات تربط أزمة السيولة بالحراك، لأن معظم زبناء البريد من الفئات الفقيرة و الهشة و طبقة الموظفين و سوادهم الأعظم من المتقاعدين و الذين يعيلهم أبنائهم عبر حوالات من بلدان المهجر، و هم من يغذي الحراك الجزائري، و يمثلون أزيد من 22 مليون جزائري لهم معاملات بنكية مع مؤسسة البريد، و انهيار منظومة البريد يعني أن نصف الجزائر من المنتمين لحزب الغاضبين ستغرق في الظلام المالي، و بذلك يحقق جزء من النظام الجزائري الذي يعادي الحراك انتقامهم الكبير كإجراء تأديبي، و هذا ما جعل “عبد المجيد تبون” يحجم عن كشف ما توصلت إليه التحقيقات.

           لكن المثير الذي جعل النشطاء أكثر غضبا أن تلك البنوك – الشبابيك التي فضل النظام الجزائري زبنائها على مواطني البريد، لا ترقى إلى مستوى التنافسية و تحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، يرأسها أبناء مسؤولين في الجيش و أقرباء الحرس القديم لـ “آل بوتفليقة”، و يمتلك أسهمها عدد من رجال الأعمال الفاسدين بشهادة العدالة الجزائرية، و ولاءها غير معروف العقيدة، و حتى نظام الصرف بها مبهم جدا، و أن من ضخ الأموال في خزائنها لا يحب الجزائر لأنه يقطع حبل النخاع الاقتصادي للبلاد، و يضعفها قبل دخول السباق الإفريقي حيث البنوك المغربية و الصينية و الفرنسية تصول و تجول باحتياطات مصرفية تساوي احتياطات الجزائر من المحروقات، و يختم النشطاء بالقول أن الحلول التي ينتظرها “تبون” ستأتي من مصارف دبي و أبو ظبي و هو ما يعد بمستقبل مالي و سياسي جزائري مبهم و قابل لكل القراءات.

 

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]

 

 

 

كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد