بقلم : القطامي
انتقلت إلى رحمة الله –قبل اسابيع قليلة- المناضلة وقامة الفن الصحراوي الأم “فتاتة محمد بعلي”، ملهمة الثوار صاحبة الأغنية الوطنية الشهيرة ” يا أهل العيون يا أهالينا إنا قادمون منتصرينا “…. توفيت و في حلقها غصة عدم تحقيق حلمها في العودة إلى مدينة العيون في ظل وطن مستقل، و التي لم يبقى أمام اهالينا اللاجئين سوى أن يرجعوا إليها عائدينا بعدما انغلقت أمامهم كل السبل في ظل قيادة فاشلة تقود القضية الوطنية إلى أفق مسدود… قيادة تفتقد للكاريزما و التأثير المطلوب في أركان جيش تحرير ثوري… قيادة أبانت عن ضعفها وارتباكها بعد أن حطمت مؤسسة الرئاسة الرقم القياسي في عدد المستشارين و الوزراء، و كذلك في انتاج الهيئات، آخرها “الآلية الوطنية لتنسيق العمل المتعلق بحقوق الانسان”، مكرسة نهجها في تدوير المناصب ، المرتكز على التحيز و العنصرية ، عكس الكفاءة و الإخلاص للوطن…. و كلنا نعلم أن وظيفة المستشار لا تعدو أن تكون مجرد نوع من التكريم السياسي لأشخاص وضمان حضورهم الولائم الرسمية أو ما أصبح يصطلح عليه وسط الشباب الصحراوي ب “سياسة اگبيظ لخلگات”.
و لتلميع صورتها تعتمد مؤسسة الرئاسة مع الأسف على الأقلام القبلية و الانتهازية ، التي تتكفل بترميم الأصنام و تبني فكر إقصائي رجعي يمجد القبيلة ، يختصر الجبهة في القيادة أما الشعب فمجرد قطيع من العجول محتجز، أقلام مأجورة تتقن أسلوب إثارة الزوابع الإعلامية للتغطية على التعيينات غير القانونية و الفساد المالي و السياسي لمسئولين يتقلدون مراكز حساسة في النظام السياسي الصحراوي، أقلام تنتهج أسلوب الفقاعات الإعلامية و التي تتصاعد في فترات الأزمات كأسلوب للتنفيس عن الشعب الصحراوي و تأجيج مشاعر المواطنين ، وتوجيههم نحو الوهم، ليكتشفوا لاحقا بأن ما يشاع لن يُغير من الواقع شيئا، وأن ما عاشوه مجرد كذبة كبيرة ، وأنهم كانوا يلهتون خلف سراب ، ولنا في الماضي تجارب كشعار سنة الحسم وخطة الاستنفار و إعادة الانتشار…
و اليوم يبدو أننا سنعيش كذبة جديدة خصوصا بعد تصاعد التصريحات بين قادة الجبهة بين من يرى في الحرب الحل الأمثل للقضية و بان وقف إطلاق النار خطا التاريخي على غرار ما جاء قبل أسابيع على لسان “محمد لمين البوهالي”، و بين من يبشر الصحراويين بمرحلة جديدة في التعامل مع الأمم المتحدة (“عبد القادر الطالب عمر”)، وبين من يحاول إبلاغنا بأن هناك تلاحم على مستوى القيادة السياسية وان لا خلافات بين أعضاء الأمانة الوطنية (خطري ادوه)، و أخر شطحات مؤسسة الرئاسة ابتداعها لأسلوب تعميم نتائج الأمانة الوطنية بغرض امتصاص غضب المواطن الصحراوي و الرفع من معنوياته ، متناسية أن المواطن أصبح مضطلع على كل كبيرة و صغيرة، مواطن بدون وطن تفرض عليه الدولة واجبات الالتزام بالوحدة وتجنب انتقاد القيادة ، دون أن تفي بأبسط حقوقها نحوه.
أن المرحلة الحالية و المتسمة بالتخبط و الضعف من طرف مؤسسة الرئاسة تعكس افتقاد الجبهة حاليا لروح القائد و المنظر فمشروعنا النضالي يحتاج إلى رجال أوفياء لقولهم ، قادرين على مواجهة المشاكل، يعيشون مع القاعدة على ارض اللجوء بكل قناعة ، لا أن يتخذوا من مدينة تندوف مقر لسكناهم بدل مخيمات العزة و الكرامة فهؤلاء مع الأسف لا يلامسون معاناة المواطن اليومية المتسمة بقلة الماء ونقص المواد الغذائية و ضعف المدارس و الحرارة وهذا لن يتم إلا عبر مسئولين يتمتعون بمواصفات الهيبة و الكفاءة و الخبرة يساهمون في استرجاع النظام الصحراوي لهيبته ووحدته يحاربون الفساد الذي استشرى في كل مؤسسات الدولة الصحراوية و التي أصبحت مع الأسف وكرا لكل الانتهازيين الذين يتاجرون بمعاناة الشعب الصحراوي ويستغلون انشغاله بالبحث عن لقمة العيش، فمحاربة الفاسدين و أذنابهم لا تقل أهمية عن محاربة الاحتلال.
هذه الوضعية الكارثية الموسومة بالتأزم يبدو أن أشقائنا في الجزائر بدؤوا يستشعرون خطورتها بشكل جعلهم يشرعون في البحث عن رجل المرحلة المقبلة، الذي تفيد الكواليس بأنه قد يكون أحد ابناء الراحل “محمد عبد العزيز”، لكن ظاهريا هناك الرجل الثاني في التنظيم “عبد القادر الطالب عمر” الذي يعتقد أن دوائر الحكم في الجزائر تراهن عليه لاحتواء الخلافات بين قادتنا و التي تسربت من اجتماع الأمانة الأخير، وتعددت الروايات حولها وحول ظهور تحالفات و تبادل اتهامات ، بشكل يؤشر عن قرب نهاية حقبة “إبراهيم غالي” ، الذي يبدو انه استسلم لـ”الهنتاتة” و انساق بدوره وراء سياسة “التهنتيت” ، بعدما اظهر انبطاحا غير مسبوق ترجمه لتعيينات قبلية مرتكزة على جيش من المستشارين.
ففي الوقت الذي عمدت جل الدول لتقليص جهازها الحكومي في زمن التقشف فإننا في الدولة الصحراوية نغرد خارج السرب و كأننا في بحبوحة اقتصادية، فترة يمكن اعتبارها الاسوء في مسار قضيتنا ، بعد أن خذلنا مجلس الأمن و تراجع عدد الاعترافات بدولتنا وحقق العدو العديد من الانتصارات الدبلوماسية ، ترجمها بفتح قنصليات في المناطق المحتلة و خسارتنا لحرب الثروات و حالة التوهان و الضياع التي أصبحنا نعيشها بعد وفاة المناضل محمد خداد ، الذي يبدو بأنه دفن معه كل أسرار هذا الملف و ملفات أخرى، هذا دون أن ننسى وضعنا الداخلي المتسم بطغيان سلطة القبلية على التنظيم السياسي و غياب هيبة الدولة وكثرة المظاهرات و الاحتجاجات و الحالة المعنوية المهزوزة لمقاتلينا وفرار بعضهم للعدو و بزوغ نجم حركات معارضة ولدت من رحم المعاناة داخل المخيمات ، مما يوحي بأننا أصبحنا فوق فوهة بركان قد تنفجر حممه في أي لحظة، الأمر الذي يستدعي منا إحداث صدمة ايجابية واتخاذ القرارات الضرورية قبل أن يلفظ البركان ما يوجد في أحشائه، وذلك عبر عقد مؤتمر استثنائي لتصحيح المسار و إعادة الأمور إلى نصابها وانقاد شعب أرهقته خيبات الأمل و ذلك عبر البحث عن حلول واقعية لخدمة الشعب الصحراوي بعيدة عن الشعارات الوهمية.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك