بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
في واحدة من روائع الكاتب الكبير “باولو كويلو”، يحكي أنه كان أبٌ يحاول أن يقرأ الجريدة، ولكن ابنه الصغير لم يكف عن مضايقته، وحين تعب الأب من ابنه قام بقطع ورقة في الصحيفة، كانت تحوي على خريطة العالم ومزقها إلى مربعات صغيرة و عشوائية، ثم قدمها لابنه وطلب منه إعادة تجميع الخريطة و عاد لقراءة صحيفته.. ظانا أن الطفل سيبقى مشغولا بقية اليوم...، إلا أنه لم تمر سوى خمسة عشر دقيقة، حتى عاد الابن إليه وقد أعاد ترتيب الخريطة…، فتساءل الأب مذهولا : هل كانت أمك تعلمك الجغرافيا..؟ رد الطفل قائلا : “لا.. لكن كانت هناك صورة لإنسان على الوجه الآخر من الورقة، وعندما أعدت بناء الإنسان.. أعدت بناء العالم”، كانت واحدة من الصدف الأدبية المقصودة و الأكثر عبقرية و عمقا، لأنه ببناء الإنسان يستقيم بناء الأوطان.
لكن الجزائر، هذا الوطن القارة، لا يزال يغرق في الفوضى و صراعات المصالح، لدرجة أن أحد السياسيين الكبار شبه ما يجري هناك بصراعات “GANGSTER” حول النفوذ بالشوارع في أمريكا خلال سبعينيات القرن الماضي، أو حرب “الكارتيلات” خلال العقد الثاني من القرن الذي نعيشه، ذلك أن رجل الجزائر القوي و قائد الجيش “القايد صالح” و هو يقرر إصدار مذكرة اعتقال دولية في حق “خالد نزار”، وزير الدفاع خلال زمن الفتنة العظمى بالجزائر و مهندس الانقلاب على الانتخابات، التي أدت إلى صعود جبهة الإنقاذ بالجزائر، يكون قد هيأ البلاد للدخول إلى عصر الفضائح الكبرى، أو يمكن تسميته بعصر صراع الرعب، لأن كلا الرجلين يمتلكان من أسرار المؤسسات – التي وجّهت و صنعت الأحداث خلال تسعينيات القرن الماضي- ما يكفي لإغراق الشعب في الذهول و إعادة البلاد لحالة الشك و الخوف.
و بعد أن عمد كبير الجيش إلى التضييق على أنشطة أسرة “نزار”، التي تسيطر على قطاع خدمات الإنترنيت عبر الأقمار الصناعية و أخضع إبنه و راعي تلك الثروة “لطفي نزار” للمراقبة، قابله الجنرال المتقاعد و الذي يعيش بدولة سويسرا بحرب تغريدات خطيرة، كان أعنفها تلك التي نشرها على حسابه بتاريخ 16 جويليا 2019 حين قال “أنه من باب حرصه على المصلحة العليا للوطن، و معرفته الجيدة بالرجال الذين اشتغلوا تحت إمرته فإنه سنة 2015 قد قدم استشارة لـ “لسعيد بوتفليقة” من أجل تغيير قائد الجيش “القايد صالح” و تعويضه بقائد أصغر منه”، و هي التغريدة التي أدت إلى إفاضة كأس التوتر بين الرجلين، حيث عمد بعدها مباشرة “القايد صالح” إلى تجميد رصيد أسرة نزار البالغة 25 مليون أورو، و سحب كل الامتيازات التي كانت تستفيذ منها، و اتجه لدعم الحراك و تحقيق مطالبه من أجل تخوين “خالد نزار” و شيطنته، و إظهار على أن الصراع هو مواجهة مفتوحة بين المجاهدين في الجيش المنتمين لجيش التحرير، ضد ضباط فرنسا الذين يمثلهم “خالد نزار”.
غير أن هذا الإجراء زاد من توتير الأجواء، و نشر موقع ألجيري باتريوتيك و الناطق بالفرنسية تصريح للجنرال المتقاعد “خالد نزار”، يقزم فيه من حجم السيرة الذاتية المهنية لـ “القايد صالح” في الجيش الجزائري التي وصفها بـ «العادية»، وقال وزير الدفاع الجزائري الأسبق، إنه أثناء فترة إقامته بمخيمات تندوف، في سبعينيات القرن الماضي، اكتشف ملفاً يتعلق بهروب “القايد صالح” من ساحة المعركة، عندما اقتحمت الجزائر منطقة أمغالا حيث جرى هجوم على ثكنة للجيش المغربي، و أن هروبه أدى إلى مقتل 200 جندي جزائري و أسر أزيد من مائة آخرين.
لم تتوقف الحرب بين الرجلين هنا، بل ثارت ثائرة قائد الجيش الذي يعرف بجموحه و شدة غضبه، و أمر بالبحث عن أسرة الرئيس الجزائري المغتال “بوضياف” و منحهم الأذلة التي تدين وزير الدفاع المتقاعد، و تورطه في تدبير الاغتيال، من أجل متابعته دوليا، الشيء الذي رد عليه الجنرال نزار بسرعة عبر نداء وضعه على منصتي “اليوتيوب” و “تويتر”، يدعو عبره “خالد نزار” كل الضباط إلى عدم الخضوع لـ “لقايد صالح” و الإطاحة به من أجل تحرير الجزائر، واضعا أوصافا قدحية لقائد الجيش.
هذا الصراع جعل الشعب الجزائري يميل قليلا إلى “القايد صالح” الذي يمثل تيار المجاهدين داخل الجيش الجزائري، غير أن هذا التعاطف أفسده اعتقال القبطان بميناء الجزائر العاصمة “حمزة جعودي”، بعد أن فضح في شريط مصور فساد منظومة السلطة الحاكمة حاليا، و التي فوتت ميناء العاصمة لشركة إماراتية تحتكر مداخيل الميناء بنسبة 70%، دون أن يكون هناك مناقصة دولية، و من غير أن تستثمر الشركة الإماراتية أي دينار لتطوير البنية المينائية للدولة، و هو ما فجر سلسلة فضائح فتحت باب التأويلات و التحقيقات الصحفية، حيث نشرت الصحف الدولية أنباء عن صفقات عقدها “القايد صالح” مع دولة الإمارات أثناء زيارته إليها، و هي الزيارة الوحيدة لقائد الجيش بصفته صاحب السلطة بالبلاد إلى دولة أجنبية، حيث تناسلت التقارير في الصحف و المواقع حول تفويت شركة التبغ الجزائرية، للإمارات و التي تبلغ مداخيلها المليار دولار بمقابل زهيد…، هذا إلى جانب صفقات عقارية و أخرى سياحية ضخمة.
كما نُشرت أيضا تحقيقات حول تفويت مساحات هائلة من الأراضي لشركات إماراتية عديدة، من أجل بناء وحدات فندقية بأموال خزينة الدولة الجزائرية..، لكن قاسمة الظهر التي جعلت الشعب الجزائري في دهشة عظيمة، هو ما نشره موقع “الإمارات ليكس”، بأن دولة الإمارات تقود غرفة عمليات مشتركة مع فرنسا، لتحجيم ثورة الجزائر وتحديد خليفة “بوتفليقة”، في هذه النقطة بدأ المدونون الجزائريون يضربون الأخماس في الأسداس و هم يتساءلون : هل حقا حين اعتقل قائد الجيش “آل بوتفليقة” و من تبعهم من الغاوون، كان يحارب بالفعل… الفساد؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك