بـقـلـم: الغضنفر
بداية أريد أن أوضح بأن أي تشابه بين الحكاية الشهيرة “اللفتة الكبيرة” الموجهة للأطفال، التي سأسردها باختصار في مقدمة هذا المقال، و صورة سيادة الرئيس مع “اللفتة الضخمة” ،هو محض صدفة ليس إلا، و لا نية لي في أن أستهزئ من رمزية حضوره لجني الخضروات أو أن أبخس قيمة “لفتة” سيادته القياسية التي حازت إعجابي و قررت أن أخصها بمقال يليق بجذورها و أوراقها و نصاعة بياضها.
فقد صادف أن عثرت على فيديو تعليمي للأطفال الصغارعلى “اليوتيوب” تحت عنوان “اللفتة الكبيرة”، يحكي قصة طريفة لفلاح زرع محصولا من “اللفت”، فأنتجت له أرضه لفتة ضخمة، و كانت كل يوم هذه اللفتة تنمو بشكل عجيب، لدرجة انه حينما أراد جنيها لم يقوى لوحده على ذلك، رغم محاولاته المتكررة لاجتثاثها من الأرض، فنادى على زوجته لمساعدته، فلم يفلحا كذلك، ثم طلبا مساعدة ابنهما ثم ابنتهما، فلم يفلح الأربعة في إخراج “اللفتة” الهائلة التي كانت تزداد مقاومة و تشيتا بالأرض، فاستعانوا كذلك بكلبهم، ثم بعد فشلهم مرة أخرى استدعوا قطة المنزل، فشكلوا صفا طويلا يتقدمهم الأب الذي يمسك اللفته من أوراقها، الزوجة التي تمسك الزوج، و الابن الذي يمسك الأم، و البنت التي تمسك أخاها،… و هكذا دواليك وصولا إلى القطة، يجدبون بقوة… لكن ظل الحال على ما هو عليه، و لم يتمكنوا من استخراجها رغم كل الجهد المبذول، لتنادي القطة في الأخير على الفأر، فتمكنوا أخيرا من اجثثات “اللفتة” من الأرض .
لم أتوقع يوما أن هذا الدرس التعليمي البسيط للأطفال، قد يتحول يوما إلى حقيقة في قضيتنا الوطنية، و أننا سنرى تنظيمنا السياسي يهوي به الحال، ليصبح أكبر اهتماماته جني خضروات في مزرعة بسيطة، أقامها فلاحون أجانب في بساتين تجريبية في أطراف المخيمات، عوض الاهتمام بالأمور السياسية و الدبلوماسية من اجل استقلال الوطن… و لم أتوقع أن محصولا بسيطا من هذه الخضروات التي لا يمكن أن تصل الى جزء يسير مما تنتجه ضيعات “فم الواد” بالعيون او “تاورطا” بالداخلة المحتلتين، ستخرج رئيس الدولة الصحراوية و بعض قادتها ليشرفوا على عملية القطاف و ليلتقطوا صورا لهم مع حزمة جزر، و ليبدوا إعجابهم بـ “لفتة كبيرة”، رغم أن هذا حجمها يدل على أنها لم تعد صالحة للطبخ، و غالبا ما يلجأ الفلاحون المغاربة إلى رميها كعلف للبهائم…. و هذه الصور ستشغل الرأي العام الصحراوي لوقت طويل و سيتم جر الأحاديث حولها حديثها في جلسات الشاي، فخرا بهذا “الانجاز التاريخي” للأخ الرئيس.
كان بودي أن أشارك قائدنا فرحة موسم جني “اللفت”، و أن أهنئه بهذا الإنجاز و أكتب حوله مقالات تمجيد، لا تقل جمالا عن سيلفي السيد الرئيس مع خضرواته، حتى نطاول الأعناق بما أنجزته الزراعة الصحراوية، و ما أنتجته بساتيننا الفيحاء..، لكن في ظرفية كالتي نعيشها، و أمام إصرار المحتل المغربي الذي استدعى العالم باتحاداته و رؤسائه و برلمانييه و لوبياته و كلابه و قططه و فئرانه.. كي ينتزع قضيتنا من جذورها، كما انتزع الفلاح لفتة حقله العملاقة، يكون الأمر كالمثل المغربي : “آش جاب الطز …للحمدلله”، و زيغ عن سكة الأحداث، و تطاول على عقل الإنسان الصحراوي، إذ بدت صورة السيد الرئيس المبتهج باللفتة الضخمة تشبه حالة من يمازح الضيوف في العزاء.
ثم أن الذين أطلقوا في صحافتهم تساؤلات في مقالات تستفسر القارئ قبل القيادة الصحراوية عن برامج تحقيق الاكتفاء الذاتي لمجرد أن موسم جني المحصول الفلاحي لهذه السنة شهد ظهور لفتة من حجم XXXL، بما لهذا الصنف من الخضر من إيحاءات هاتكة للأعراض في المخيلة الشعبية المغربية، و التي هي ليست غايتنا، و ذهبت تلك المقالات للحديث عن الاكتفاء في قطاعات إنتاجية أخرى، و هي محاولة صحفية يائسة لترحيل النقاش الشعبي بعيدا عن الواقع الذي تغرق فيه القضية الصحراوية، مع العلم بأن كل ما تنتجه الحقول الصحراوية لا يساوي ما ينتجه أصغر حقل في سهول المحتل الشاسعة، التي تصل منتجاتها إلى العمق الافريقي و كذلك إلى قلب مخيماتنا، و أنا لا أحاول تفريغ الإنجاز من صفة الحدث، و لكن هي بعض الملاحظات التي نحتاجها كي نعرف حجم القلق الذي بتنا نعيشه.
و بدل أن يأخذنا قائدنا “إبراهيم غالي” في جولة إلى حقول “الجزر” و “اللفت”، مع دلوعته “النانة لبا الرشيد”، كان عليه أن يعقد اجتماعا طارئا في خيمة الحكم، و أن يدعو إليه كبار الدولة و شيوخ القبائل و أعيانها، و أن يجمع معهم ممثلي المؤسسات الدستورية و المؤسسات المنتخبة و الصحافة، و يشرح للجميع كيف حدثت خمس هزائم للقضية في ظرف شهر و نصف من بداية هذه السنة، و كيف نجح المحتل المغربي في أن يعيدنا إلى الوراء و نصبح في الوضع الذي كنا عليه خلال سنوات خلت.
لم نكن في حاجة إلى مستملحة إعلامية بطلتها “لفتة ضخمة”، و بلغة الفلاحين وجب إخبار من أشاع تلك الصورة و روّج لها كحدث قد ينسينا تبعات ما جرى داخل البرلمان الأوروبي، و ما فعله “ترامب” في الأراضي المحتلة، بالقول أن ذلك النوع من الخضروات كلما كبر حجمه كلما فقد نكهته و قيمته الغذائية، و هذا يكفي ليحوّل موسم جني “اللفت” العملاق إلى مهزلة أخرى و مضيعة للوقت، فما فائدته إذا لم يلبي حاجتنا داخل المخيمات من الغذاء؟ و أضيف إلى هذا أن المانحين حين يرون تلك الصور دونما شك سيفكرون في قدرة اللاجئين على إنتاج محاصيلهم، و هذا سيمنحهم سببا آخر لتبرير إيقاف المساعدات و منحها لجيوش اللاجئين من السوريين و اليمنيين… و يبقى نهناك سؤال أخير : متى ستبدأ القيادة الصحراوية في صناعة الغواصات و المقاتلات؟ بعد أن أبهرت العالم بمحصولها الزراعي الخرافي ..؟

اللفتة التي تعجب لكبر حجمها الرئيس الصحراوي


لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك