بـقـلـم : بن بطوش
لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تذهلنا بأسرار سياساتها الغريبة، ذلك أن صمت الصين و إشاحتها النظر عما يجري في أوكرانيا، و عدم استجابتها للإغراءات الروسية من أجل ابتلاع “تايوان” و تقاسمها الغضب ضد الغرب مع موسكو، رغم علم بكين بأن ما يحدث في منطقة البحر الأسود هو أفضل فرصة لها من أجل إصلاح ما تسميه نزعات إثنية-سياسية تسببت في عيوب جغرافية للبلاد.، دفع الجميع للتساؤل عن السبب الذي يجعل التنين الأحمر هادئا و مستكينا يكتفي بتأمل الأحداث و تدوين الخلاصات…. لكن بعد بحث مضني عثرنا على الإجابات الكبرى و التي تبدو معقدة و تشرحها مذكرات الدبلوماسيين الأمريكيين، “هنري كسنجر” و “هيلاري كلنتون”؛ فكلاهما يتحدث بفخر كبير عن ما يسمى أمريكيا بـ “الأسبوع الذي غير العالم”، و يتعلق الأمر بأول زيارة لرئيس أمريكي إلى الصين، يوم استجاب “نيكسون” لدعوة قادة الحزب الشيوعي الصيني سنة 1972، حينها حصل الاختراق الأمريكي لأكبر مجتمع شيوعي طموح في العالم، وصفته “هيلاري” بالمغامرة و الإبحار في المياه المجهولة، و كانت الخطوة الثانية بعد الزيارة، هي حصول الإنزال الاقتصادي الأمريكي الذي حول الصين إلى مصنع العالم، و جعل من الصين -الضلع الثالث في ميزان القوة العالمية- و تدين إستراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية.
و على الرغم من العقيدة الشيوعية للحزب الحاكم في بكين و صراعات السيطرة على الأسواق و تكنولوجيا الشبكات مع واشنطن، إلا أن سياسة المارد الأحمر تتناغم مع مصالح أمريكا “غير الاقتصادية”، و هذا الربط الخفي في العلاقات بين العملاقين يجعلنا نفهم سبب تسمية الأسبوع الذي قضاه الرئيس “نيكسون” في ضيافة الشيوعيين بـ “الأسبوع الذي غير العالم” لأنه فتت عقيدة الولاء بين رموزه داخل المعسكر الشرقي… !!
نحن أيها القارئ الصحراوي ننتمي إلى الجيل الجديد من الصحافة الصحراوية التي تتناغم مع متغيرات هذا العالم، نضع بين يديك منتجا صحفيا أكاديمي متكاملا و خالصا، بعد عمل مرهق لساعات طوال تنفق لإعادة قراءة السير الذاتية و الكتب التي خلفها صناع السياسة في العالم…، حتى تحصل على أفضل زاوية رؤيا، تعجز صحافة الرابوني على منحها لك…، فبالعودة إلى العلاقات الصينية الأمريكية، سنفهم سر تغيب الرباط عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة روسيا، فالمحتل المغربي الذي يعتبر تلميذا مجتهدا و ذكيا في السياسة الدولية، يعرف كيف يوزع بيض مصالحه بالتساوي بين سلال القوى العالمية، فقد تعلم من الصينيين كيف يطور اقتصاده و ينوعه، و من الأمريكيين تقنيات قراءة المستقبل، و من الأوروبيين أساليب الانتقام.
فقناة “فرانس24” وصفت موقف الرباط بالغريب بسبب انتمائه للمعسكر الغربي و استدعت محللين لجلد دبلوماسية نظام الرباط، لكن جريدة “Le Figaro” الفرنسية كانت أكثر فهما للتحولات التي حصلت داخل هذا البلد، و قالت أن الرباط لم تعد تابعة لأوروبا و أن المغرب يستثمر في الظروف الدولية بناءا على رؤيته و مصالحه، و أنه ممتعض جدا من مواقف أوروبا الرمادية مما يسميه قضيته الترابية… لكن الواقع يقول بأن الرباط حصلت على “الاعتراف الأمريكي” في قضية الصحراء الغربية، و دخلت في شراكة واسعة مع بريطانيا بعد خروجها من الإتحاد العجوز، و هما الدولتان اللتان تقودان الأمم المتحدة في عملية إدانة التدخل العسكري الروسي، و العلاقات بينهما و بين الرباط على مستوى كبير من التناغم، فما سر هذا الموقف الغريب من الرباط؟ و الذي يبدو أن واشنطن و بريطانيا رحبا به و لم يعلقا عليه و لم يمارسا ضغطا لانتزاع موقف واضح كما فعلوا مع مصر، فيما أظهرت كل فرنسا و إسبانيا غضبا إعلاميا مبررا إلى حد ما.
هنا نعود خطوة إلى الوراء لنستحضر ما وقع في الأزمة بين دول الخليج، و موقف الرباط منها و رفضه التخندق مع أحد طرفين الأزمة، بل الأكثر من هذا تحدى الحصار على قطر و أرسل مساعدات رمزية للدوحة التي لم تنسى الجميل و رفضت كل عروض الرئيس “تبون” من أجل فرض الأمر الواقع و إقامة القمة العربية بالجزائر وفق الشروط الجزائرية… و نزيد في استحضار الأحداث السابقة لنذكر بالزيارة التي قام بها ملك المغرب إلى موسكو و الاستقبال الذي حظي به من الرئيس “فلاديمير بوتين”، حيث كان مختلفا جدا عن الاستقبال المهين الذي خصصه لقادة دول أخرى كتركيا و فرنسا و إيران…، تلك الزيارة كانت بمثابة نقطة تحول في العلاقات بين موسكو و الرباط، و تذكرنا بزيارة “نيكسون” إلى بكين، حيث أن المغرب يعلم أن روسيا سوق استهلاكية كبيرة تعادل السوق الأوروبية و يدرك بأن من الحمق خسارتها…، و يعرف أيضا أن الغرب متقلب المزاج و المصالح.
منذ تلك الزيارة و الرباط تحصد ثمار هذا التقارب بعد أن عطلت روسيا أكثر من ستة مرات “الفيتو” الخاص بها لإدانة الرباط و عارضت تمرير مذكرات، كان أهمها و أشدها على الرباط مشروع “كوندوليزا رايس” لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، خلال ولاية الرئيس “أوباما”، و خلال هذه السنة رفضت روسيا طلب الجزائر باستخدام “الفيتو” لتغيير محتوى توصيات مجلس الأمن التي جاءت على مقاس أماني الرباط.
و هي المرة الأولى التي سأقول فيها بأن موقف المحتل المغربي على الأقل – من باب منطق الأشياء- يستجيب للغضب العربي و الإفريقي الذي طفى على السطح، بعد المعاملة النازية للأوروبيين في حق اللاجئين غير الأوكرانيين، و ما تناقلته القنوات الأوروبية و الأمريكية و هي تتباكى على جراح العرق الأوكراني، و وصفهم أنهم لا يستحقون الحرب و لا يستحقون هذه المأساة، و أنهم من مستوى العرق الأوروبي الأشقر ذو الأعين البلورية و البشرة الثلجية…، و هذه عنصرية مقيتة و مهينة، خصوصا و أن المراسلين وصفوا اللاجئين الأوكرانيين بأنهم مختلفون عن السوريين و عن العراقيين و اليمنيين و الليبيين و يحملون دماءا أوروبية نقية…، و تم فصلهم عن باقي اللاجئين و قدمت لهم كل الخدمات الإنسانية.
و هذا الموقف يكشف الحجاب أمامنا عن الزاوية، حيث يصنف فيها الغرب قضيتنا، و كيف ينظرون إلى الشعب الصحراوي اللاجئ في شعاب تندوف، و لماذا يتخلون عنا كلما اشتدت بنا الفاقة و استبد علينا المناخ، و لا يهمهم إن تراجعت المنح و توقفت الدول المانحة عن تقديم المساعدات، و يشرح لنا لماذا يدفعون بالجزائر لتحمل تكاليف اللاجئين الصحراويين؟ و يضغطون عليها من أجل الاقتناع بأنها تورطت في خيار بلا جدوى؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك