في الذكرى الـ45 لإعلان الجمهوية الصحراوية، ”إبراهيم غالي” يكشف عن رغبته في إنتهاء الحرب و خطته لإعادة الإنتشار و التفاوض
بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
ثمة نصيحة يتقاسمها الكتاب و الأدباء في أنديتهم، و يجعلونها حصرية التداول بينهم، تقول : “إياك أن تخطأ إملائيا، حتى لا تجعل القارئ المعجب بك يكرهك و يحاربك و يشكك في كتاباتك…”، و نفس النصيحة كنا نسوقها من هذا المنبر إلى قيادتنا في كل مقال أو خبر ننشره، قلنا لهم إياكم و الكذب أمام شعب ترك الحياة بكل ألوانها و قرر الصبر على بلائكم تحت الخيام و في المنفى، إياكم أن تخلفوا معه الميعاد، سيكره وعودكم و لن يؤمن بما تبقى من مشروعكم، سيجعل أجياله تهرب إلى أوروبا و أمريكا، و منهم من سيعترف للخلف أنه أساء التقدير و وقف في الضفة الخطأ…، سيكون السبب الأول و الأخير في خراب القضية، لأن من أوكلنا له رقابنا و أسرار القضية، خان الأمانة و لم يحسن إلى ذكرى الأولين…
ذلك أن الأخ القائد “إبراهيم غالي” وقع على خطاب تداوله جميع من يمتلك هاتفا ذكيا من الشعب الصحراوي و حتى من الشعوب القريبة، الرسالة المختوم ببئر لحلو بتاريخ 27 فبراير2021، و تحمل توقيع الأخ الرئيس و ختمه، تبدأ دون بسملة و لا توجد فيها الصلاة على الحبيب المصطفى، و الأخ القائد دائم الحرص على قراءة السلام في كتاباته و خطاباته و لا يغفل عن ذكر الحبيب، و لا نريد أن نحكم منذ البداية أن قائدنا ختمها فقط و لم يكتبها، و نبرر الأمر أنه أراد لنا أن نشعر بحجم المصيبة التي نزلت عليه، لأنه عممها بعد استقبال الرئيس الجزائري له بيوم واحد، غير أن هذه المرة لست متحاملا إن قلت أن من تداولوها قالوا بأنها قد تكون كتبت بقصر المرادية و ليس بالبيت الأصفر، و تحليل ما جاء فيها سيثبت أن الأخ “إبراهيم غالي” فقط وقعها و هو غير مسؤول عن ما جاء فيها و أن الذي قرر و دبر ثم أمر فنشر… هم قوى أكبر من البيت الأصفر.
نص الرسالة الموجهة لعموم جماهير الشعب الصحراوي، بمناسبة الذكرى الـ 45 لتأسيس الجمهورية الصحراوية، من شكلها الأولي تبدو قليلة المحاور و على غير عادة خطابات الأخ الرئيس الذي نتذكر جميعا معه كيف أن البيت الأصفر لا تقنعه صفحتين أو ثلاثة كما فعل في حديثه عن الطابور الخامس…، و ينطلق الخطاب فيها بـ “أبطال جيشنا البواسل”، أي أن الخطاب موجه بالدرجة الأولى إلى مقاتلي الجيش الشعبي، و ليس إلى الشعب الصحراوي، و هذا فيه بعض الإجحاف في حق سكان المخيمات و المناضلين و الأسر التي كابدت فراق أبنائها، و تحملت السكوت و الصبر على الأحزان الكبيرة، و فيه إهانة كبيرة لسيدة النضال المخملي الأرستوقراطية – الأقطاعية “أمينتو حيدر”، و للدبلوماسي “محمد سيداتي” الذي لا يزال صدى زفاف ابنه يرن في المواقع و على الصفحات، و لـ “سليطينة خيا” التي نتحسر على عدم معاصرتها لـ “شكسبير” الذي كان سيصنع منها أسطورة في مسرح الميتولوجيا…، البداية كانت في نص الرسالة حصرية على ما تراهم القيادة الأحق بالخطاب و الأقرب إلى القضية في زمنها الحالي.
في الفقرة الأولى يؤكد الأخ القائد أن الرسالة حصرية على المقاتلين من الجيش الشعبي الصحراوي، لكن الغريب هو اختيار المصطلحات الذي له في علم المعاني دلالات كبيرة، و تشرح فكر الرجل الذي كتب الرسالة، حيث يقول في الفقرة الأولى “أحيي عاليا بطولات مقاتلي جيش التحرير الصحراوي و مقاومته للاحتلال المغربي” و في هذه الصيغة تناقض و تقاطع مع بيانات “الأقصاف” التي تدك تخندقات العدو المغربي، حيث أن المقاومة تكون ضد الهجوم، بينما القيادة في أقصافها تقول أنها تشن حربا و ليست مقاومة، و هذا الخطأ يمكن غفرانه إذا ما اعتبرنا أن الذي كتب نص الرسالة ليس نفسه الذي يكتب البيانات الحربية، و بشرح أدق لا ينتمي للبيت الأصفر.
غير أن الخطاب سيصبح خطيرا شيئا ما ، بدءا من الفقرة الثانية، و التي يقول فيها محرر الرسالة عن جيشنا الباسل “أن عملياتهم البطولية النوعية و أعمالهم القتالية اليومية، كان لها بالغ الأثر على نفسية دولة الاحتلال المغربية و جيشها”، إذ يركز كاتب الرسالة على الجانب المعنوي و كأنه يعرف خفايا النفوس و يعرف نوايا البشر و ينقل لنا أشياء لا صلة بيننا و بينها، و لا نريد سماع أي شيء عنها، فيما يتغاضى عن ذكر ما نريد سماعه من أخبار استرجاع الكركرات و تحرير أراضي الصحراء الغربية، و يزيد في نفس الفقرة بالقول أن تلك الهجمات المكثفة على طول الجدار “أدت إلى تقهقر معنويات جنود جيش الإحتلال و ضباطه”، و كأن المعنويات حين تتقهقر عن جيش الاحتلال فسيخرجون إلينا باكين نادمين و سيلمون ما في جيوبهم و ما في أرصدتهم، و يمسكون بأيدينا و يدخلون بنا إلى أرض الوطن كالفاتحين…
هذا الخطاب فيه تقليل من ذكاء المقاتل الصحراوي الذي أضاعت قيادتنا حياته الأولى في أرض اللجوء، و ضيعت حياته مرة ثانية و هي تجرده من مواهبه و تفرض عليه تجنيدا دون تدريب احترافي و جعلت منه كمقاتل من عهد التاتار و المغول، و لا تزال تضيع حياته الآن بتقديمه على طبق من التضحية كقربان لنيران المحتل…، لكن أخطر فقرة على الإطلاق هي فقرة إعادة الانتشار و التي جاء فيها أن هذه الحرب عززت موقف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و واد الذهب “ما أتاح لها فرضية التوجه إلى مفاوضات برعاية أممية من وقع القوة…، و هو ما يستوجب اليوم إعادة إنتشار تكتيكي لقوات الجيش الصحراوي من أجل ترتيب الأوراق السياسية و إجبار المحتل المغربي على الجلوس مضطرا تحت الضغط الدولي إلى طاولة المفاوضات“.
هذا المقطع الأخير من الفقرة الثالثة سيحتاج مني في تحليله لكتاب بأكمله من الحجم المتوسط إن أردت الاختصار، لأن الأمر هنا – مع كامل الأسف- هو إعلان مبطن و رسمي عن انتهاء الحرب التي خاضها جيشنا و قيادتنا لمدة تقارب الثلاثة أشهر، رفع عنها أزيد من مائة بيان دون أن نتمكن من جر العدو فقط لإعلان حالة الحرب، أو لجعله يعترف بأن هنالك حرب على تخوم جداره العسكري…، هذه الفقرة إذا ما شخصت في سلوك فستمنحننا مشهد لرفع للراية البيضاء، رغم ما سبقها من عبارات عنترية ألفناها من قيادة متخاذلة، و في هذه الفقرة اعتراف أن القيادة لا تقرر حالة الحرب و حالة السلم، و في هذه الفقرة إقرار أننا بدون حلفاء، و في هذه الفقرة اعتراف أن الحليف يعيش أسوء مراحله،… و في هذه الفقرة تأكيد أننا لا نمتلك التكنولوجيا العسكرية التي نستطيع بها كسب المعارك ضد جيش جدي،… و في هذه الفقرة اعتراف باختلال موازين الحرب بيننا و بين المحتل،… و في هذه الفقرة اختزال لخطاب العجز و الضعف و قلة الحيلة، و في هذه الفقرة صورة حقيقية عن سوء القرارات التي تخرج من مشكاة الارتجالية، و في هاته الفقرة اعتراف أن الضغط الدولي هو على كاهلنا…
بينما الفقرة الأخيرة خصصت للترحم على “الشهداء” و ليس شهيدا واحدا، الذين سقطوا في ما أسماها حرب التحرير الثانية منذ فضيحة الكركرات إلى يومنا هذا، و كنت أتمنى أن يخصهم ببعض الامتيازات، لكن كل ما نالته أسرهم هو عبارات التعاطف فيما الجرحى سيلقون نفس الإهمال الطبي و المعنوي…، و النتيجة النهاية لهذه الخيارات المتهورة دوما ما تجعلنا في وضع سيء جدا، ليبقى السؤال متى سيعلن المحتل خضوعه لشروط قائدنا العظيم و يأتي منكسرا لمفاوضتنا، فيما نضيف سؤال آخر : هل سنفاوضه على الكركرات أم على الصحراء الغربية أم على السماح لنا بإقامة الاحتفالات بالأراضي المحررة…، أم سيكون التفاوض حول الأسرى الصحراويين…؟ لست أدري.. !!

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك