بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
نحن الشعب الوحيد الذي يحزن حين يجب عليه أن يفرح.. ليس لأننا لم نعتد على السعادة، بل لأن لنا قيادة لها استعداد غريب لوئد كل فرح يولد في قلوبنا، فما يحدث في قضية إعادة محاكمة معتقلي “اكديم إزيك” يجعلني أفتي ببطلان رأي القيادة و قد أتجاوز الحال إلى التشكيك في سلامة نواياها تجاه المناضلين الذين أمضوا سنوات في سجن سلا الرهيب، قبل أن يفتح لهم العدو شقوق ضوء من خلال إعادة محاكمتهم و هو يبدي حتى الآن تساهلا مريبا في تدبير الجلسات، فيما قيادتنا تعاند مصالح المناضلين و عائلاتهم و تدفع بهم إلى المزيد من التضحية و الانتظار و تستفز العدو كي يقسوا عليهم من جديد.
قبل أن يقبل العدو المغربي إعادة فتح هذا الملف كانت قيادتنا لا تترك منبرا إلا ونادت منه بأن تلك المحاكمة العسكرية كانت جائرة و الأحكام كانت انتقامية… و اليوم حين قبل العدو إعادة فتح الملف في محكمة مدنية، عادت القيادة للحديث عن فتح جديد و جعلت إعلامها يشغل الرأي العام الصحراوي بتفاصيل هذه المحاكمة، بل القيادة اليوم تدفع للمماطلة و إطالة فصولها حتى تفتن الشعب الصحراوي و تشيح بنظره عما يحدث في إفريقيا حيث نزل ملك المغرب ليخلع جدور القضية عن بكرة أبيها.
و من طرائف مواقف القيادة في هذه القضية، كونها طالبت بخبرة طبية للمعتقلين المناضلين، و بعدما وافقت المحكمة على قبول طلب الخبرة و تم توجيه أبطال القضية إلى المستشفى الجامعي لابن سينا، عادت القيادة لتعترض و تطلب خبرة دولية، و نسيت بعض المعطيات التي تجعل خبراء القضية الصحراوية في موقف لا يحسدون عليه، حيث و بعد مرور ستة سنوات من الاعتقال تريد هذه القيادة إثبات أثار التعذيب أو الضرب أو أي آثار حتى و إن كانت لمرض جلدي، و نسيت بأن السنوات الستة في علم البيولوجيا و الأنتروبولوجيا تكفي لمسح أي آثر نهائيا، و في حالة العثور على بقايا أثر فمن السهل نسبتها طبيا إلى السجل الصحي للفرد، أو حتى لتاريخه البلطجي مادام الأمر يتعلق بسجناء.. بمعنى أن إثباتها كأثر تعذيب يدخل ضمن المستحيلات.
القيادة تعلم هذا المعطى و حتى الجمعيات التي تنقر الدفوف خلف القيادة لها خبرة دولية في مثل هذه الأنواع من القضايا و تفضل الصمت السلبي رغم علمها المسبق بنتائج هذا النوع من القضايا، و استحضر هنا حالات عالمية عجز فيها الطب و القضاء على إثبات التعذيب لغياب الوثيقة رغم حضور الآثار، و نحيل هنا في الذاكرة العالمية على محاكمة السفاح “ميلوزوفيتش” الذي اتهم قضاة التحقيق بتعذيبه لانتزاع اعترافاته، و كذا نجل “القذافي” الذي سيعرض على القضاء الليبي في الأيام القليلة القادمة و يقول محاموه أنه تعرض لتعذيب بشع في المخافر و هو ما نفته الخبرة الطبية، و الرئيس المصري المطاح به “مرسي” الذي اتهم جهاز القضاء بتسليط يد الأمن عليه قبل أن تبرأ المنظمات الدولية يد الأمن … هذه الحالات و أخرى كثيرة لم يستطع فيها القضاء و لا الطب إثبات أن الآثار ناتجة عن التعذيب إما لطول المدة الزمنية.. أو لاختفاء الندوب.
غير أن القصد الذي تبحث عنه قيادتنا من هكذا عراقيل و هي تمعن في وضعها أمام المناضلين يجعلنا نطرح أكثر من ملاحظة، و يجعل ما تبقى من مناضلين يفكرون آلاف المرات قبل أن ينخرطوا في تنفيذ مخططات القيادة، على اعتبار أنها تدفع بالمعتقلين للتهور تم تزايد عليهم.. و لا أريد أن أقول بأنها تتاجر بملفهم.. فلو أن لمعتقلي “اكديم إيزيك” ذرة ادراك لما ينتظرهم لما تجرؤوا على الخوض في تلك التجربة مرة أخرى، ذلك أن ما رأوه حتى الآن من شدة بأس العدو و من مكر القيادة يكفي ليجعلهم يبحثون عن حريتهم قبل كل شيء.. و هنا تنتهي التحاليل و تبدأ العبرة و الحكمة، حيث على المناضل الصحراوي أن يعرف متى وجب عليه أن يرفض تعذيب قيادتنا له لمجرد مناورة سياسية.. و أنا أدعوا كل مناضلي القضية المتخلى عنهم لإجراء خبرة تثبت تعذيب القيادة لأحلامهم تجاه الوطن و القضية.