بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
في واحدة من دروس حوادث السير، أن امرأة تسببت في حادث على الطريق بعدما صدمت سيارة أخرى، كانت خسائر السيارة كبيرة لكن لم تصب أحد بأذى، و كذلك كان الحال بصاحب السيارة الثانية الذي جاء إليها يسألها إن كانت على ما يرام، فأجابته أنه و الحمد لله لم تصب بأذى و أن لا أحد منهما مسؤول عن الحادث، فتقبل الرجل كلامها، لكنها دخلت سيارتها و أخرجت زجاجة “شامبانيا”، و قالت له : بما أننا نجونا معا من حادث مؤسف سنحتفل بذلك، ثم أعطته الكأس التي شربها دفعة واحدة، و أعادت الزجاجة إلى السيارة ليسألها : ألن تشربي منها..؟ أجابته : لا … إنني أنتظر الشرطة..!! حينها فهم الرجل أنها ورطته في مشكلة كبيرة… لأن أول ما تقوم به الشرطة في الحوادث هو… اختبار الكحول.
العبرة من القصة أن ما يمكن أن تراه ودٌ و حسن نية في التعامل مع الأحداث، قد يكون خدعة، ذلك أن “القايد صالح” حين أكثر الجدال عن الانتخابات و فرضها على الشعب الجزائري، و حين دفع بالرئيس المؤقت “بن صالح” كي يوقع مرسومها الرئاسي و تحديد تاريخا لها، بدعوة الهيئة الناخبة ليوم 12 ديسمبر، لم يكن الغرض من ذلك إنقاذ البلاد و لا إعادة الروح إلى الاقتصاد الذي يحتضر، و لا حتى من أجل إنجاح الدخول الاجتماعي في الجزائر الذي اصطدم هذه السنة بحراك شعبي عام، جعله دخولا مشتعلا و مفصليا في التاريخ الحاضر للبلاد، بل كانت محاولة من “القايد صالح” لتحرير رقبته بعدما وجد نفسه محاصرا داخل أجندة كبيرة و أنه كان سببا في جلب الذئاب إلى بيت الجزائريين.
فبعد أن خطب “القايد صالح” في الجزائريين من داخل ثكنته و دعا المواطنين إلى الامتثال لقرارات الهيئة المسيرة للبلاد، و التوجه لاختيار الرئيس في انتخابات مباشرة قبيل نهاية السنة الجارية، ثم عاود الخطاب من ثكنته ليحدد تاريخا الرئاسيات في 12 ديسمبر، ضغط على الرئيس المؤقت من أجل إصدار مرسوم انتخابي يحدد نفس التاريخ لإجراء الانتخابات و منح رئاسة لجنة الانتخابات إلى “محمد شرفي”، لكن الطريقة التي تم بها اتخاذ القرار و التسارع الفجائي في الأحداث جعلت قادة الحراك في الجزائر يرفعون من منسوب العصيان، منتقدين طريقة تعامل “القايد صالح” مع الشعب الجزائري التي تخلو من أي احترام و تكرس ممارسة الجيش للوصاية المطلقة على مستقبل البلاد.
فمباشرة بعد توقيع “بن صالح” للمرسوم الرئاسي الانتخابي أطلق النشطاء الجزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي نداء للعصيان الانتخابي باستعمال هاشتاغ #خليه_يصوت_وحدو، و هو النداء الذي رد عليه “القايد صالح” عبر خطاب يوم الأربعاء 18 سبتمبر، بدعوة جميع شركات النقل العمومي و الخاص في الجزائر إلى عدم نقل المتظاهرين في الجمعة المقبلة، كخطوة تصعيدية من السلطة لقمع الحراك و تخويف المحتجين، بعدما عمد خلال الجمعة 13 سبتمبر من الحراك، إلى إصدار أوامره باعتقال أزيد من 20 محتج شاركوا ضمن مسيرات التي أعقبت صلاة الجمعة، كما أمر باعتقال أيقونة الحراك و أحد اكبر قادته، “كريم طابو” الذي وجهت له تهم غريبة أبرزها إضعاف معنويات الجيش، و هو الأمر الذي علق عليه النشطاء بالتهكم على القضاء الجزائري عبر القول : “إيلا كان جيشنا تمشي لو المعنويات بكلمة من رجل، فهذا ليس جيش … هو مجرد قش عبلة”.
و رغم الحملة الشرسة للسلطة ضد الحراك و رموزه، و الفشل الذريع الذي أصاب لجنة الحوار، و التي لم تقنع حتى اللحظة بجدوى المشاورات التي أجرتها مع الرأي العام الجزائري و الحراكيين، إلا أن السلطة الجزائرية مصرة على فرض حلولها التي تتعارض و مطالب الشارع و و استمرار “القايد صالح” في رفضه إقالة الرئيس المؤقت و رئيس الحكومة “بدوي” الذي تلوثت سمعته بملفات فساد مدوية، بعد أن ذكر اسمه في التحقيقات التي تجري بثكنة “بن عنثر” و سجن “البليدة” عندما أكد رجال أعمال موقوفين ضلوعه في استخدامه لعلاقاته النافذة مع رئاسة البلاد لتسهيل حصولهم على صفقات دون المرور عبر طلبات عروض دولية أو محلية.
لكن الملفت في قرار فرض رئاسيات على الشعب الجزائري من قبل قائد الجيش، و تكليفه “محمد شرفي” للإشراف عليها، جعل الإعلام الدولي و المهتمين بالشأن الجزائري، و أيضا النشطاء الجزائريين داخل و خارج البلاد، يشككون في نوايا “القايد صالح” و يتهمونه بمحاولة إعادة إنتاج نخبة سياسية بنفس صفات النخبة التي تم إسقاطها، و يوضحون ذلك من خلال النبش في سيرة “محمد شرفي” الذي شغل في عهد الرئيس “بوتفليقة” منصب وزير العدل، و عرف عنه حينها انه الرجل الذي روض القضاء و جعله لينا في يد “السعيد بوتفليقة” و في عهده شهد القضاء الجزائري فسادا لا يزال ينخر جسم العدالة إلى الآن بعد أن وضع قضاة فاسدين في اعلى مناصب المسؤولية، و هو الأمر الذي لا يزال يستخدمه “القايد صالح” و هو يتعامل مع ملفات الفساد بانتقائية جد غريبة.
كل هذه الاتهامات التي تطارد رئيس لجنة تنظيم الانتخابات “محمد شرفي” يفسرها الإعلام الجزائري بكون الرجل كان مكرها على ذلك، و أنه من أخيار الشعب الجزائري، و أن قبوله رئاسة اللجنة و المواجهة مع الشعب الجزائري نابع من رغبته في تحسين صورته أمام الشعب، و انه يحاول أن يقدم للشعب الجزائري خدمة بمنحهم انتخابات شفافة و نزيهة، لكن المدونين على مواقع التواصل اعتبروا الأمر ذرا للرماد في العيون، و أن الرجل لم يكن مجرد وزير في حكومة فاسدة خلال حقبة الفشل السياسي الكبير، و لكن ما يغيض الجزائريين أنه كان المسؤول عن الحملة الانتخابية للرئيس المستقيل “بوتفليقة” خلال سنة 2014، و أنه كان من الوجوه التي دافعت بشراسة إلى جانب “القايد صالح” عن العهدة الخامسة… لهذا يرى فيه الجزائريون مجرد مخادع، و أطلقوا حملة #خليه_يصوت_وحدو.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك