بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
على وقع نشوة الإنجاز العلمي المبهر نكتب هذا المقال، بعدما تمكن العلماء الأمريكيون أخيرا من تحقيق المستحيل و تصوير الثقب الأسود، و كأني بالقارئ يقول الآن : وما شأننا بالثقوب؟ مهما كان لونها ؟، غير أن هذا الإنجاز – الثورة يجعلنا نضع محاكاة بين التحدي الذي واجهه العلماء قبل تحقيق هذا الاستكشاف، و بين التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في ليبيا و الصحراء الغربية و اليمن و العديد من بؤر التوتر عبر العالم… لأن إمكانيات العالم الغربي الفكرية هي نفسها في جميع القضايا، سواء أكانت علمية أم سياسية أم اقتصادية…، و هذا يضعنا في حيرة عظيمة، إذ كيف ينجحون في تحقيق معجزة فلكية كانت تصنف إلى الأمس القريب ضمن المستحيلات العلمية و يكتفون في أمرها بنظرية النسبية لـ “أنشتاين”، فيما يعلنون فشلهم أمام الأزمات السياسية الأقل تعقيدا من سبر الفضاء الشاسع و المعقد، فلا الأمم المتحدة نجحت في إطفاء غضب الإخوة الليبيين و لا أوروبا استطاعت إقناعهم بوضع السلاح جانبا و الجلوس إلى طاولة الحوار، و لا الإتحاد الإفريقي أقنعهم بأن ما فعلوه بوطنهم من خراب لم يتحقق حتى في عهد الاستعمار … ترى هل من الممكن أن يكون العقل العربي أكثر تعقيدا من الفضاء ؟ ….ربما!!
غير أننا في حاجة إلى فهم الأزمة الليبية قبل أن نرى علاقتها بالقضية الصحراوية، لأن مستوى الدمار الذي حصل حتى اليوم في ليبيا يصعب تقييمه، و حين يقول الخبراء أن ليبيا دولة منهارة، فهذا يعني أن بنية الدولة لم تعد موجودة، و أن المؤسسات لا تدير أمر البلاد، و حتى من يمتلك المزنجرات و المدرعات و الطائرات، لا يحكمها، بل تديرها الدول التي لها مصالح هناك و كأنها مقاولة، فيما جماعات المتناحرين داخل البلاد مجرد ميليشيات تقدم خدمات للشركات و تدافع عن المصالح و تتلقى تعليماتها للتحرك شرقا و غربا و شمالا و جنوبا.. هذا ببساطة وضع ليبيا اليوم التي تحولت إلى جزء من مشروع الشرق الاوسط الكبير، أو ما أصبح يعرف بصفقة القرن.
حيث كشفت بعض الصحف العالمية و أيضا قنوات منها “فرانس 24” و الـ “بي بي سي” و غيرها من القنوات الإخبارية عن وجود علاقة بين ” احمد القايد صالح”، قائد الجيش الجزائري، و “خليفة حفتر” الذي يحاصر خلال الايام الاخيرة العاصمة طرابلس و يرفض التراجع و الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي من أجل تطبيق هدنة إنسانية و السماح بمرور المساعدات، و هذه العلاقة تتم عبر وساطة خليجية بعدما كانت العلاقات جد متوترة قبل أشهر إثر التصريح الذي أذاعه “خليفة حفتر” عبر وسائل الإعلام يهدد فيه الجزائر بإعلان الحرب و هو التهديد الذي رد عليه “القايد صالح” بأنه سيرسل “كوموندو” ليجلب “حفتر” من قلب ليبيا.
لكن الواقع ليس كما يبدو حيث أن الجنرال الليبي يتهم الجزائر بلعب دور ثلاثي في الازمة الليبية؛ عبر التصفيق لإنجازات “حفتر” من جهة و دعم الميلشيات و تطعيمها بالذخيرة من جهة ثانية، و في نفس الوقت إيواء قوات “الأفريكوم” التي تدخل خلسة إلى ليبيا و تنفذ مهامها فوق ترابها عبر تقديم الغطاء الأمني لها حيث تستقبل الجزائر قائدها من أجل التنسيق معه، و كذلك تفعل الجزائر حسب قناة “فرانس 24” مع القوات الإيطالية التي تحتل قاعدة “مصراتة” الجوية.
و عكس ما يروج له على أن العلاقة بين القضية الصحراوية و الوضع الليبي غير موجودة و يصعب الربط بينهما، لكن الوقائع التي حدثت مؤخرا تنسف هذا الاعتقاد و تجعل تلك العلاقة واقعا مؤكدا من خلال فهم السياقات العامة التي ادت الى الإجراءات الأمنية التي فرضتها مؤخرا السلطات الجزائرية على اللاجئين الصحراويين من خلال محاصرة المخيمات و اخضاع سكانها لتراخيص للتنقل لا تتجاوز مدتها عشرون يوما، حيث أن الجزائر سبق و أن توغلت في الأراضي الليبية لمئات الكيلومترات و اشتبكت مع مقاتلين من أصول غير ليبية أسرت منهم أعداد كبيرة، كان من بينهم مقاتلين صحراويين يعملون كمرتزقة في الحرب الليبية، و وصولهم إلى هناك كان بسبب قيام الجزائر – في وقت سابق- بفتح الأبواب أمام الشباب الصحراوي للمشاركة في الفوضى الليبية بعد سقوط نظام “القذافي”، و هنا لا يفوتني ان اذكركم بأن الجيش الصحراوي يتوفر حاليا على أسلحة ليبية ضمن عتاده، كان قد استولى عليها الجيش الجزائري خلال توغلاته بالتراب الليبي، و ظهر عدد منها خلال الاستعراض العسكري الأخير الذي اقامته القيادة الصحراوية.
و مع وصول الوضع الأمني في ليبيا إلى الحال المتردي الذي نراه الآن، فقد أصبحت الجزائر التي تعيش وضعا سياسيا مقلقا للمنطقة، بسبب هواجس تسرب قطع الأسلحة المنتشرة بالمخيمات و في المناطق الحدودية مع ليبيا إلى داخل الجزائر، في وقت يعرف فيه الشارع الجزائري غليانا وصل إلى حافة الصدام مع قوات الأمن خلال احتجاجات الجمعة الثامنة، وهذا ما يجعل النظام الجزائري الحالي يخاف من سيناريو الانفلات الأمني و استعمال الأسلحة الليبية فوق التراب الجزائري من طرف الغاضبين على النظام.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك