بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
عندما نشرت الصحف العالمية توقعات الجدة “مانغا” العرافة الأكثر شهرة في العالم و التي كانت -حسب ما قيل- تستطيع توقع الأحداث الكبرى في دول العالم، حيث كتبت تلك الصحف أن الجدة “مانغا” توقعت كوارث طبيعية في آسيا و هزات سياسية في أمريكا و أزمات اقتصادية في أوروبا، و نزاعات دامية بإفريقيا…، لكنها لم تشر في توقعاتها إلى ما قد يحدث في العالم العربي من المحيط و حتى الخليج…، لقد عجزت كرتها البلورية عن سبر النوايا العربية، المنطقة الأكثر غموضا في هذا العالم، و المضحك أن العرافة البلغارية قبل وفاتها سُئلت عن مصير فلسطين و الدول المحيطة بها، فأجابت بأن خدّام الكرة البلورية لم يستطيعوا أن يحضروا لها أي نبوءة…، حتى الجن عجز عن فهم العرب.
ثم أن الجزائريون كانوا يرون في استقالة الرئيس شيء أشبه بوقوع الخوارق، لأن هذا النظام كان وَثَنِيّ التعلق بالسلطة، فظن الجزائريين عكس مدى اليأس الذي تسبب فيه هذا النظام، الذي بقي يؤمن بالخلود السياسي إلى آخر لحظة، و في أوج الاحتجاجات قرر النظام إعادة إستوزار “رمطان لعمامرة”، ورأى فيه الترياق الدبلوماسي الذي سينقذ النظام من الانهيار، و كان قصر المرادية يحاول الاستفادة من العلاقات الدبلوماسة التي في جعبته، إذ لم يكن يتوقف عن البوح للصحافة بالأسماء الرنانة التي تربطه بها علاقات ود عميقة…، فحاول النظام الدفع بالرجل للقيام برحلات إلى العواصم الكبرى.
في البداية روج الإعلام الجزائري لهذه الزيارات على أنها بعثات لطمأنة الرأي العام الدولي، يقوم بها كبير الدبلوماسيين كي يبدو الحراك في الجزائر ظاهرة ديمقراطية، و أن النظام يستوعب هذا الهامش الفج من الحرية داخل البلاد، لكن الخبراء حذروا من صفقات قد يعقدها النظام الجزائري مع القوى العالمية على الطريقة السورية، خصوصا و أن وزير خارجية روسيا قال بعد اللقاء “أن ما يحدث في الجزائر شأن عائلي بين الجزائريين و أن موسكو ترفض أي تدخل أجنبي في الجزائر”، لكن بعد أيام تبين أن “رمطان لعمامرة” ارتكب عن قصد خطأ دبلوماسي قاتل، فالرجل لم يحاور الروس من أجل دعم النظام و أن تصريح “لافروف” رآه العارفون منقوصا من اللهجة المؤثرة.
لقد كشفت الصحف الروسية بعد حين بأن “لعمامرة” لم يترافع على النظام، بل ذهب من أجل دعم قضيتنا الصحراوية و إغراء الروس بوعود كبيرة، للاستفادة من الفيتو الذي في حوزتهم، و أيضا من أجل خلق تشويش على محطة جنيف -2- حتى يخف الضغط على القيادة الصحراوية، الشيء الذي قال عنه الخبراء بأن “لعمامر” أغضب الروس بعد أن فاجئهم بتقديم ملف الصحراء الغربية على مصير البلاد، و تكلف الروس بإبلاغ حاشية بوتفليقة عبر سفارتهم في الجزائر بما حدث في موسكو، و هذا الأمر أقلق كثيرا “السعيد بوتفليقة” و “القايد صالح” و رأى فيه محيط الرئيس محاولة من “لعمامرة” لتقويض مجهود النظام، في تهدئة الشارع.
بعد ذلك كان من المنتظر أن يزور “لعمامرة” واشنطن مباشرة بعد زيارته لموسكو، لكنه فجأة قرر التراجع عن الخطوة و تكليف السفير الجزائري بذلك، و هو الأمر الذي اعتبره السياسيون الأمريكيون يحمل الكثير من التنقيص لعظمة أمريكا، فلم ينجح السفير في انتزاع أي بيان أمريكي داعم لـ “بوتفليقة” بل كان للقاء السفير مع صقور “البيت الأبيض” مفعول رجعي – عكسي، حيث قالت الخارجية الأمريكية بعد يوم واحد أن أمريكا قلقة بشأن الوضع في الجزائر.
لم تتوقف هفوات “لعمامرة” هنا…، فقد قرر السفر إلى ألمانيا لملاقاة المستشارة “ميركل”، و كثيرا ما تفاخر بصداقته معها، لكن “ميركل” اعتذرت عن لقائه و أرسلت إليه وزير خارجيتها يبلغه بأن ألمانيا تعتبر ما يحدث في الجزائر شأنا داخليا، و أن الأجندة الرئاسية لا تسمح لها بلقائه حاليا…
ما حدث في برلين لم يكن ضربة موجعة “للعمامر”، بل كانت هفوة دبلوماسية قاسمة لظهر النظام الجزائري، الذي كلف وزير خارجيته بحشد الدعم “لبوتفليقة”، غير أن “لعمامرة” تسبب في عزل النظام الجزائري دوليا، خصوصا بعدما فضل عدم السفر إلى باريس و رفض الحصول على مباركة “ماكرون”، لتعويض خسارة برلين و واشنطن و تراجع موسكو خطوة إلى الوراء، و آثر “لعمامرة” أن يدعم قضيتنا الصحراوية و طلب من بريتوريا تنظيم ملتقى داعم للقضية الصحراوية بعدما حضر لقاء جنيف -2- في آخر لحظة.
ترك “رمطان لعمامرة” العالم ينهار من حول “بوتفليقة” و ذهب ليحظر الملتقى الذي لم ينجح هو الآخر…، و كأن كلما لمس “لعمامرة” قضية إلا و أصابتها لعنة الفشل، فلم يتمكن الملتقى من حشد الدعم المادي للقضية، لأن كل الدول التي شاركت كانت يائسة إقتصاديا، و جنوب إفريقيا كانت لها مآرب في صراعها الاقتصادي مع المحتل المغربي قضتها عبر البيان الختامي، الذي كان باهتا و ضعيفا و لا يعكس حجم الإنتظارات، بل حمل رسائل سياسية مشفرة للرباط من بريتوريا، لكن الخطأ الذي جعل قصر المرادية يقرر الاستغناء نهائيا عن “لعمامرة” هو تدخله المباشر لتمكين الرئيس “إبراهيم غالي” من السفر عبر الطائرة الرئاسية الخاصة بـ “بوتفليقة”…، تقول المصادر بأن “السعيد بوتفليقة” حين علم بالأمر استشاط غضبا و أمر “نور الدين بدوي” بأن يشطب اسمه من لائحة حكومة تصريف الأعمال.
تسببت الإخفاقات الدبلوماسية لـ “لعمامرة” في تداول نشطاء فيسبوكيون لخلاصة، بأن الدبلوماسي الأول بالجزائر كان ضحية الترويج للقضية الصحراوية، فقد حاول عبرها إظهار براعته الدبلوماسية التي كانت من المفترض أن تبهر النظام الجزائري، لكن كل ما فعله أنه أضاف لنظام “بوتفليقة” المزيد من الأسباب للسقوط… و انتهت الحكاية باستقالة “بوتفليقة” التي اجتمعت عليه الأسباب الداخلية و الخارجية كي تنهي حقبته على رأس الجزائر… فأي مصير سيقدر علينا بعد أن كانت قضيتنا واحدة من أسباب انهيار النظام الجزائري.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك