بـقـلـم : بن بطوش
ثمة قصة طريفة لتلميذ أمريكي يبلغ من العمر سبع سنوات، ادعى أمام أصدقائه في المدرسة و حتى مدرسيه أن “سوبرمان” هو عمه و له موعد معه نهاية أسبوع، فأخبره مدرسه أنه لا يوجد شيء اسمه “سوبرمان” و أنه مجرد شخصية خيالية، و زملائه في الفصل أخذوا يسخرون منه، و نتيجة إصراره على ذلك، فقد تحول إلى مصدر للسخرية بكل المدرسة، فاضطرت إدارة المؤسسة التعليمية الأمريكية إلى الاتصال بأهله و إبلاغهم بالأمر، و طلبت حضور ولي أمره لحل المعضلة…، و ما كان من الأم إلا أن اتصلت بأخ زوجها النجم السينمائي “هينري كافيال”، الذي يؤدي شخصية “سوبرمان” في أفلامه، و طلبت منه مرافقة ابنها إلى المدرسة لتفسير الأمر.
القصة هنا قد تبدو طرافتها بعيدة عن السياق الذي نحن بصدد مناقشته، لكن مع بعض التأمل سنكتشف عمقها و مكمن حكمتها، ذلك أن الحليف الجزائري عبر إعلامه كان كثير السخرية من الرباط، و جند الممكن و المستحيل من أجل الترويج لحدث قطع أنبوب الغاز المار عبر الأراضي المغربية نحو إسبانيا، و الأكثر من هذا نشره مقاطع من أزمة الغاز بلبنان على أنها للشعب المغربي، ليفاجئنا المحتل بمشروع الربط الكهربائي مع بريطانيا، و أن الرباط ستمد لندن بالكهرباء لإنارة سبعة ملايين منزل… !!.
و قبله كان نفس الإعلام يروج لمشاريع المغرب على أنها أبراج من الرياح و السمعة الفارغة، و قال عدد من المسؤولين كلاما شديد الانتقاد في ما يجري بالمغرب من نهضة اقتصادية شاملة أفزعتنا، كان أهم تلك التصريحات ما جاء به وزير الخارجية السابق “عبد القادر مساهل”، الذي اتهم شركة الطيران المغربية بنقل الحشيش، و اليوم كلنا نعلم ما يجري في الخطوط الجوية الجزائرية التي أصبحت عنوانا فضائحيا، خصوصا و أن باريس أطلقت تحقيقات في جرائم تبييض أموال عبر الخطوط الجزائرية، و تعمل مع الأنتربول على تفكيك شبكة متخصصة في نقل المخدرات الصلبة، و بيع الأجهزة المسروقة من فرنسا و نقلها إلى الجزائر…، و هي كلها فضائح هزت سمعة البلد و أضرت بمصالح الجالية الجزائرية.
و من بين المسؤولين من وصف سياحة المحتل المغربي بالجنسية، و اليوم نرى الجزائر تستعطف جاليتها بالخارج لزيارة البلاد و إنعاشها سياحيا و الترويج لها دوليا…، و كان الرئيس “تبون” قد سخر من شركات صناعة السيارات التي استقرت بالمغرب و قال عنها بأنها أقصى ما تستطيعه هو نفخ العجلات فقط، و اليوم هي ثالث منافس عالمي بعد الصين و الهند، في التكلفة و الاندماج الذي بلغ 70%، و الألمان أحسوا بخطر منصات الصناعة الميكانيكية في المغرب و أطلقوا حملة إقناع شركاتهم بعدم الاستثمار في المغرب…
بسبب هذا الوضع الاقتصادي المتقدم و المخيف للعدو المغربي، نحن مضطرون على هذا الموقع الحر لفتح باب النقاش، في واحدة من الطابوهات التي ترفض الحليفة الجزائر و حتى قيادتنا مناقشتها على منصة إعلامية مفتوحة، لأنها تتعلق بالتفوق الإقليمي، و نحن مضطرون لفتح جرحها لأنها من أسباب وجعنا، و اقتصاد الرباط يسير بخطى ثابتة نحو تأسيس قوة اقتصادية جهوية، و هنا نعود بكم إلى المقال الذي نشرناه أواخر سنة 2020 و كان تقريرا يتحدث عن طموح الرباط لدخول نادي الـ 50 أقوى اقتصاد عالمي، رغم الجائحة و قوة التنافسية العالمية…، و قلنا أن الرباط نجحت في وضع قواعد الإقلاع، و اليوم سنرسم لكم في هذا المقال ملامح الإقلاع الذي بدأ فعلا، انطلاقا من سؤالين؛ لماذا لم تؤثر الأزمة بين الرباط و الجزائر في تقدم المحتل اقتصاديا؟ و لماذا لم تتأثر الاستثمارات الأجنبية في دولة الاحتلال ببيانات الأقصاف اليومية للبيت الأصفر…؟
في البداية نفتح قوس الحرب التي أحضرت لها القيادة الصحراوية و الحليف الجزائري مؤخرا وفدا كبيرا من الصحفيين أغلبهم إسبان و جزائريون لجعلها عالمية، كي ترعب أصحاب الأموال الراغبين في الاستثمار بالمنطقة، لكن حتى اللحظة لم تحقق تلك التغطية أي هدف إعلامي، و بينما نحن كنا ننتظر من الرباط أن تسارع بالضغط على الأمم المتحدة كي تتوسط و تعجل بالمفاوضات من أجل إيقاف الحرب الدائرة، و التي تحصد كل يوم أرواح مقاتلين صحراويين فقط،، شاهدنا كيف أن الأخ القائد هو الذي يعبر عن استعداده لوقف الحرب و الجنوح للمفاوضة على وقف إطلاق النار و وضع بنود جديدة له و تغيير محتواه اتفاق تسعينيات القرن الماضي…، و هو الطلب الذي خلف موجة سخرية في مواقع التواصل الاجتماعي، و لم يلتفت له أي مسؤول من دولة الاحتلال و لم ترد عليه أي جهة في الأمم المتحدة…، بل الأكثر من هذا كله، أن بيانات الأقصاف التي انتظرنا أن تكون سببا في تضرر اقتصاد المحتل، زادت من تحسين صورته كقوة تسيطر و تهيمن و تتحكم في الأحداث، و شاهدنا كيف أن الشركات تهرب من الجزائر و تونس لتستثمر في المغرب و هذا أوج التناقض و التضارب.
بوادر تقوي الاقتصاد المغربي كانت مع أزمة كورونا، لأن تمكن الرباط من التأقلم و خلق “إقتصاد الأزمة”، حول العدو إلى دولة منتجة للحلول الطبية السريعة، و نجح في تصدير منتجات طبية إلى دول عديدة، و الأكثر أنها مارست دبلوماسية الكمامات و أجهزة التنفس و هي بصدد إطلاق دبلوماسية اللقاحات…، و اخترقت إفريقيا شرقا و غربا، و في أوج الأزمة العالمية أطلقت الرباط مشاريع فرعونية، منها دراسات تتعلق بمشروع الأنبوب النيجيري و التصنيع الحربي، و عقدت صفقات تسلح ضخمة، و أطلقت الرباط برامج إصلاحية عملاقة منها التغطية الصحية بملايير الدولارات، و شيدت أبراج سياحية، و ربطت بالسكك بين الموانئ و المناطق الصناعية…، و أطلقت مشاريع طاقية عملاقة بقدرات إنتاج هائلة…، و الأهم من كل هذا مصادقة النظام المغربي على النموذج التنموي ثم تغيير الحكومة، حيث تم تعيين رئيس حكومة ليبرالي، و هو رجل أعمال لديه ثقافة التفوق و التي أثبتها خلال الحملة الانتخابية بعدما أزاح الحزب ذو التوجه الإسلامي الذي قاد الحكومة لولايتين، و في أول برنامج له أعلن عن استثمار عمومي بقيمة 27 مليار دولار و هو رقم كبير جدا في المنطقة، أدهش حتى الاقتصاديين الفرنسيين و الأسبان بعدما تجاوز كل التوقعات.
على الجانب الأخر من منصة المقارنات، فآخر إنجاز حققته الجزائر يعود إلى عصر الراحل “بوتفليقة” و يتعلق بالمسجد الأعظم الذي اختلف الجزائريين على تسميته، و كل ما نسمعه الآن عن الجزائر مجرد أزمات لا تتوقف، آخرها إعلان وزارة الفلاحة عن فراغ مخزون الدولة الإستراتيجي من “البطاطس الفلاحية” التي تستخدم كحبوب زراعة، مما ينذر بموسم فلاحي قد يكون كارثيا بالأرقام، نضيف إليه عدم استفادة الجزائر من الارتفاع الأخير في أثمنة المحروقات في السوق الدولية لسببين؛ الأول لأنها دولة غازية و ليست بترولية، و الثاني لأنها سبقت و أن تعاقدت مع دول أوروبية من أجل بيع الغاز بأثمنة زهيدة لقاء بعض المصالح السياسية و الدبلوماسية، و هذا يزيد و يكرس ضعف أداء خزينة البلاد النقدية و أيضا يضعف مردودية الإقتصاد.
اختيارنا لهذه المقارنة السريعة و البسيطة، كان بغرض استنطاق الجزء المسكوت عنه من التفوق الذي يمنح العدو المغربي قصب السبق على قضيتنا في كل النواحي، بدءا بالدبلوماسية و مرورا بالسياسية…، و اليوم هو يضع أسس التفوق الاقتصادي – الجهوي، في محاولة منه للحاق بدول العالم الثاني، و بالتالي التحول إلى دولة تحتكر التكنولوجيا و الصناعات العصرية و تؤثر بالتالي في القرارات الدولية للمنظمات و الإتحادات، كالأمم المتحدة و الإتحاد الأوروبي، و هذا يمنحنا صورة لما ستؤول إليه الأمور في ملف قضيتنا خلال العشر سنوات القادمة، لهذا فالتقرير الألماني السري الذي تحدث عن تنامي قوة المغرب، لم يكن محض مصادفة أو افتراء، بل كان إنذارا لدول المنطقة، بأن قوة تنمو بسرعة غرب المتوسط و وصلت إلى مرحلة التقدم الفعلي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك