بـقـلـم : بن بطوش
يقول علماء وكالة “ناسا”، أن وصول المتسلقين إلى قمة “إيفيرست” يجعلهم يشعرون بالدوار و الرغبة في التجشؤ و فقدان الإحساس بالمحيط…، و يرجع العلماء ذلك إلى سببين؛ الأول ذاتي و يتعلق بقلة الأكسجين و برودة الطقس، و الثاني نفسي نتيجة الإحساس بالرهبة و الخوف من الوقوف في أعلى نقطة فوق كوكب الأرض…، لكن علماء “ناسا” لم يتعرفوا على الشعور الأكثر غرابة من وطأ القدم لقمة “إيفيرست”، و هو أن يدوس عَزِيزٌ على كبرياء شعب بأكمله و هو يحاول – بدون حياء- تسلق جبال البؤس و المهانة و الذل و المسكنة كي يحاصر و يؤلم من وثقوا به و إاثمنوه على أسرارهم و أمانيهم…، أتمنى أن يجيبني “وزير الأرض المحتلة و الجاليات” أو مقرب منه عن شعوره و هو يدوس أعلى نقطة من كرامتنا كشعب صحراوي، أريد أن أعرف إذا ما كانت كرامتنا شاهقة كـ “إيفيرست” و تجعل متسلقها يشعر بالدوار و الرهبة، أم هي منخفضة كسهول هولندا…، و العبث في ربوتها متعة و ازدراء أهلها حرية تعبير و سياسة و مكاشفة مقيتة…
هذا المقال يشعرني أن دباجته بحبر القلم لا تكفي، بل يحتاج إلى خطه بسوط مفتول تقطر منه دماء الشهداء الجدد الذين أُرسلوا يحملون رقابهم بين أيديهم لمواجهة الشيطان “يعني”، فيما السياسيون يمارسون بسادية واقعيتهم أمام الهواتف الذكية، وهم يناظرون في مهانة الشعب و كأنهم رواقيون أنذال يبحثون عن “اليودايمونيا” التي تخصهم و إن كانت على حساب شعب كريم و مهان، هذا المقال سيجيب الوزير كي نفهمه أن صراحته ليست جارحة فقط، بل سم زعاف قطع أوصال الشعب الصحراوي حيثما وجد، لذلك سنعري الأسباب التي جعلت قياديا ينحرف عن سكت العقلانية و الواقع و يثور في كلام فضائحي يرقى للجريمة المدبرة…، لكننا – مع ذلك- لن ننسى أن نحيي شجاعة هذا الوزير الذي لم يرهبه مصير “الخليل أحمد ابريه” و لم تثنيه قصص الرعب التي تروى عما يجري من فظاعات داخل سجون “الرشيد” و “الذهيبية” و تلك التي يحكيها القادة عن ظلمات بعضها فوق بعض داخل أقبية حديدية بسجن “لبليدة”، و ستحسب للوزير شجاعته إن هو بعد تلك الزلة عاد إلى الديار في أرض اللجوء ليواجه الرأي العام الصحراوي و القيادة و سلطات الحليف… بوجه مكشوف.
لننطلق بداية من التكذيب الذي حاولت قيادتنا إقناع الرأي العام الصحراوي به، و القول أن “مصطفى سيد البشير” تعرض كلامه للفبركة و التحريف و أن تكنولوجيا جد متطورة كتلك التي استهدفت الشاحنتين الجزائريتين في الأراضي المحررة…، تم استخدامها مجددا للعبث بالتصريحات التي سجلتها كاميرا هاتف لمشارك صحراوي غبي من بني جلدتنا، و أنه تم تركيب كلام محرّف فوق كلامه إلى أن بلغنا المقطع كما رأيناه جميعا، و هو التبرير الذي يؤكد عدم احترام البيت الأصفر لذكاء الشعب الصحراوي، لأن قيادتنا نسيت بأن دول العالم الأمامي لا يعتمدون مقاطع دون التأكد من سلامتها في موادهم الإخبارية، و أنهم يمتلكون تكنولوجيا تسمح بالتأكد من سلامة المقطع و تسمى بالخبرة الرقمية، و لأن المقطع حقق انتشارا واسعا فقد تبنته أغلب الوكالات الإخبارية التي أخضعت المقطع للفحص، قبل أن تعطي الضوء الأخضر لأذرعها الإعلامية لتبنيه كمادة إعلامية تسمح بتحليل و دراسة الوضع العميق لقضيتنا الصحراوية المنهكة من الفضائح.
لا أريد العودة إلى مناقشة حقيقة المقطع، لأن زلة رجلنا السياسي حصلت و انتهى، و ما يهمنا هو أن لا تمر دون أن نفهم ما يقع في عمق القضية و لماذا قرر “ولد سيد البشير” تفجير برميل بارود داخل السفينة التي يبحر معنا على متنها، و بسؤال أوضح ما سر كل ذلك الغضب و الحقد على القضية الصحراوية و الحليف الجزائري و القائد “إبراهيم غالي” و اللاجئين؟، و لماذا رمى المحتل المغربي بالورود و شيطن قصر المرادية؟…، و هل ثمة علاقة بين التصريحات و الخلاف القيادي الذي شب مؤخرا نتيجة فضائح “سلطانة خيا” التي حولتها التاجرة الأولى للقضية “أمينتو” إلى وسيلة ضغط لابتزاز البيت الأصفر، و من أجل تطهير صفوف المناضلين و السماح لها بالعودة إلى عالم الأضواء خصوصا و أن قدمها ألفت السجاد الإمبراطوري في المحافل الحقوقية التي تعرض مآسي الشعوب للمزايدة من أجل لقب و ظرف غليظ…؟
ما يوجعنا كثيرا هو إحساس أهل الشهداء الذين سقطوا و هم يواجهون جيش المحتل المغربي حين يمعنون في سماء كلام يعري واقعا نتنا للقضية…، لأن تصريحات الوزير التي قد نراها نحن لحظة حقيقة و مكاشفة، ستشعر أرامل الشهداء و أبنائهم و أمهاتهم و أخوتهم و جيرانهم و أبناء عمومتهم و المتعاطفين مع مأساتهم…، أنها مصيبة بحجم الجبال، و أن أرواح ذويهم التي أزهقت كانت تبذيرا و إنفاقا و استثمارا بلا قيمة و لا رحمة…، و سيجعلهم ذلك الكلام يرون أن نصف قرن من الخطابات و الوعود و الصبر على اللجوء و الحرمان و المعاملات المهينة…، كانت بمثابة مقامرة فاشلة و خاسرة، و أن اللاجئين الصحراويون وضعوا بيضهم كله في سلة الحليف بالخطأ…
كلام “مصطفى ولد محمد علي و لد سيد البشير” يكفي ليجعل الجيل الثالث و الرابع عن بكرته يحصل على وعي يجعله يرفض القضية الصحراوية و يتعفف من الانتساب لها، و يرفض خيار اللجوء و يبحث عن خيارات تقنعه حتى لا يكرر خطأ الآباء…، هنا خطورة تلك التصريحات التي أراد لها السياسي الغاضب، أن تكون سوط الواقعية الذي سيجلد به ساكن البيت الأصفر، خصوصا و أن “مصطفى سيد البشير” أصبح ضمن التيار الذي يتهم فريق الرئيس “إبراهيم غالي” بقيادة القضية من فضيحة إلى فضيحة بدأ بأزمة “بن بطوش” و وصولا إلى فضيحة الشقة السرية لـ “سلطانة خيا”، مرورا بسقطة الأمم المتحدة و تسريبات الاجتماعات القيادية…
و حتى لا يأخذنا خوفنا على القضية و الشعب الصحراوي بعيدا عن عين الحقائق، سنحتاج أخيرا لقول كلمة صادقة تشفع لهذا الوزير الذي فضل الاصطدام بالجدار و بكل قوة و عدم محاباة النظام في الرابوني الذي هو جزء منه، لم يخشى على نفسه و لا عن أهله، ولم ترهبه كل التهديدات التي تضمنتها البيانات و الإعلانات عن صفات الطابور الخامس، و التي خرجت من مشكاة عسكر النظام الجزائري، يحسب لـ “مصطفى ولد سيد البشير” أن أعاد الأخ الرئيس إلى وضعه الطبيعي و أشعره أن الرحلات المكوكية على مثن الطائرة الرئاسية الجزائرية لن تسقط عنه صفة اللاجئ…، و أن لقب الوزير و الأمانة العامة و الحكومة و رئاسة الدوائر…، لا يعني أننا دولة كاملة السيادة و المؤسسات و أننا ما زلنا مجرد حركة تحررية، مادمنا نحصل على المساعدات من المانحين كي نستمر في المقاومة و الصمود في أرض لا تصلح حتى لمجتمعات الثعالب.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك