بـقـلـم:بن بطوش
يبدو أن الصين كسرت ما تبقى من كبرياء فرنسا بعدما تعرض رئيسها “إيمانويل ماكرون” للإهانة خلال زيارته لبكين، و سيل الإهانات المقصودة التي وجهها له الرئيس الصيني، “شي جين بينغ”، و التي أتثبت أن حوادث الانتقاص من الرئيس الفرنسي بدول إفريقيا لم تكن مجرد نوازل عارضة، أو مواقف عابرة من سلطات دول القارة الموجوعة، بل هو تغيُّر جذري في القناعات اتجاه فرنسا؛ الدولة التي لا ترى فيها الشعوب الإفريقية غير صورة الرجل الأبيض المستعمر و السارق لثروات الشعوب و المستعبد للإنسان الإفريقي دون رحمة…
ذلك أنه مع نزول الطائرة الرئاسية الفرنسية في مطار العاصمة الصينية، لم يجد الرئيس “ماكرون”غير مندوب درجة ثالثة بوزارة الخارجية الصينية ليستقبله، و خلال اللقاء بين الرئيسين الفرنسي و الصيني في اليوم الموالي من الزيارة، تناقلت قنوات العالم موقفا محرجا تعرض له الرئيس الفرنسي خلال مراسيم التقاط الصور الرسمية مع الرئيس الصيني، حينما رصدته عدسات الكاميرات و هو يضع يده في جيبه، ليطلب منه أحد الساهرين على البروتوكول الصيني أن يخرج يده بسرعة و يقف باعتدال و احترام،… فأخرج “ماكرون” يده كتلميذ تلقى لتوه تأنيبا من أستاذه و أخفى إحراجه بابتسامة صفراء.
لم تشمل مشاهد الإهانة الموثقة بالصوت و الصورة فقط الرئيس الفرنسي، بل نالت رئيسة المفوضية الأوروبية، الألمانية “أورسولا فون دير لايين” نصيبا منها؛ فهذه المرأة القوية التي يستخدمها “ماكرون” لابتزاز الحليف الجزائري و المحتل المغربي في أزماته معهما، كانت ضمن الوفد المرافق للرئيس الفرنسي، وكانت الغاية من تواجدها هو محاولة الضغط على الرئيس الصيني و إخباره بأن “ماكرون” جاء يمثل كل دول الاتحاد الأوروبي، و أنه ليس مبعوث البيت الأبيض إلى الصين، بل دافعه مصالح دول الاتحاد القديم التي تضررت من الحرب الروسية على أوكرانيا.
غير أن الرئيس الصيني لم يكثرت لتواجد رئيسة المفوضية الأوروبية مع “ماكرون”، و اتخذ بعد التدابير البروتوكولية ليستصغرهما خلال جلسة العمل، حيث أجلسهما على طاولة مستديرة عملاقة، بحجم ملعب كرة تنس، و لم يتم تجهيز المائدة بالميكروفونات للتحدث بينهم، و هو الأمر الذي جعلهما يضطران إلى ارفع أصواتهما يصل حد الصراخ لإسماع ما يريدان قوله للرئيس الصيني، فيما ظل هذا الأخير هادئا يتحدث بصوت منخفض و لا يبدي أي اهتمام إذا ما كانا الضيفان يسمعانه أم لا… و لو أن جلسة المحادثات تلك جرت بالهاتف لكانت أفضل و أنفع للكوكب الأزرق، و هذا ليس تعاطفا منا مع “ماكرون” و مرافقته، بقدر ما هو تنبئ بالأسواء لمنطقة آسيا، على اعتبار أن “ماكرون” أصبح رسول الخراب و حيث ما حل و ارتحل إلا و تندلع الحروب…؛ فالأحداث تشهد أنه بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها “ماكرون” إلى روسيا يوم أجلسه “بوتين” على مسافة نصف يوم خلف مائدة بحجم القارة المتجمدة، بعدها بعشرة أيام اجتاح “بوتين” دولة أوكرانيا، و اليوم تتكرر الصورة مع الرئيس الصيني على المائدة المستديرة العملاقة، و من المرجح غالبا أن تجتاح الصين بعد أيام قليلة جارتها تايوان…
في جلسة المفاوضات بين الرئيسين الفرنسي و الصيني، التي كانت تشبه حوار الطرشان، تعمدت السلطات الصينية إجلاس “ماكرون” و مرافقته “أورسولا” على كرسيين بعجلات، منخفضي الارتفاع، يستعملان بالمكاتب و ليسا من كراسي البروتوكولات الرئاسية و لا يمثان للفخامة بصلة…، الشيء الذي جعل الخبراء يرون في طريق الإجلاس تلك رسائل واضحة إلى كل القوى التقليدية في الإتحاد الأوروبي المرتعدة من تهور روسيا العسكري، بأن الزمن تغيّر و أن الصين استعادت مجدها القديم؛ زمن كانت امبراطورية، و أنهم أصبحوا أمام الصين العملاقة مجرد صفر على الشمال يتسولون رضاها، و أن بكين لم تعد تقبل ابتزازهم و لا تطيق جرأتهم عليها…، بعدما جاء “ماكرون” يحمل رسالة دول الاتحاد العجوز التي ظاهرها هروب إلى قوة الصين و فزع من جبروتها، و باطنها إبتزاز للتنين الآسيوي عبر قوانين التجارة العالمية، مقابل إرغامه على الوساطة لحل ملف أوكرانيا مع روسيا، و الضغط على موسكو للتراجع خطوة إلى الوراء، إن أرادت الصين أن ترفع أوروبا القيود عن التجارة الصينية و أن توقف حربها ضد شركة “هواوي” و مخططها لنشر تكنولوجيا الجيل السادس من شبكة الهواتف النقالة بأوروبا بعدما أحكمت سيطرتها على الجيل الخامس من هذه التكنولوجيا.
لا توجد أسئلة كثيرة فالذلة و المسكنة التي ضُربت على “ماكرون”، غير تلك التي حضرت في ذهنك أيها القارئ الكريم و أنت تقرأ تفاصيل الإهانة، و التي تقول كيف أن النظام الجزائري، في زمن الهوان الفرنسي و مواقف الخزي و العار التي يتعرض لها رئيسها، لا يزال يحابي باريس و يقبل إهانتها له و يصر على التقارب مع الإليزيه، و يغفر لفرنسا ما تقدم من ذنبها و ما تأخر…؟، بينما كل إفريقيا نبذتها و المحتل المغربي كان الأذكى على الإطلاق عندما وضع شروطا قبل إعادة العلاقات مع باريس إلى سكتها الطبيعية، بعدما تحصل على الكعكة الدسمة من الاستثمارات الفرنسية بالخارج و ورطها في نقل أسرار صناعة السيارات إلى وحداته الإنتاجية، و يحارب الفرنسيين و اقتصادهم باستثماراتهم و أموال شركاتهم و خزينة بلادهم…، و اليوم يلاعب قصر الإليزيه بورقة المواقف الدولية و يوشك أن يخضعه كما فعل مع إسبانيا.
كمية التودد الجزائري الذي كشف عنه الرئيس “تبون” و هو يبتسم خلال اللقاء الصحفي الذي بثته قناة “الجزيرة”، و أيضا ما أراد الإليزيه تسريبه عن المكالمة الهاتفية مع “ماكرون” إلى الرأي العام الجزائري و الأوروبي، أصابتنا كشعب صحراوي – يستمد قوته و إيمانه بمستقبله و بمشروعه الوطني من قوة الحليف الجزائري – بنوع من الإحباط، لأن الجزائر إن هي فعلا قوة إقليمية و قوة ضاربة كما يدّعي رأس نظامها، فعلى قصر المرادية أن يدفع الإليزيه إلى الاعتذار أولا ثم يرغمه على تعويض أسر الشهداء، و كذلك على تعويض الدولة الجزائرية عن تجارب اليرابيع القذرة…، النظام الجزائري اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بمراجعة “معاهدة ايفيان” و إكمال الاستقلال المنقوص بسبب بنود الاتفاق الملعون مع باريس، و استرجاع جماجم الشهداء، و الأرشيف المنهوب و الضغط على فرنسا لطرد حركة “الماك” من فوق ترابها، عوض مهاجمة الرباط بدعمها و هي تبني عشها في قلب العاصمة الفرنسية،… على الجزائر أن تستغل الضعف الفرنسي كما تفعله الرباط و تسترجع كبرياء المواطن الجزائري الذي يهان مع كل زيارة يقوم بها رئيس فرنسي إلى الجزائر.
و نحن كرأي عام صحراوي مطالبون بمواجهة قيادتنا بالحقيقة التي تقول، أن خيط الكذب قصير جدا، و كل الطرح الذي تبناه البيت الأصفر لمدة نصف قرن باتهام فرنسا بالضلوع و الوقوف خلف المحتل المغربي ضد القضية الصحراوية، و أن باريس المسؤولة الأولى و الأخيرة عن عرقلة حل أزمة ملف قضيتنا و حصولنا على تقرير المصير…،
و على القيادة أن تمتلك الجرأة السياسية و الأخلاقية و تخرج لنا بالاعتراف الذي يقول بأن عدونا كان أذكى من الجميع، و أنه تلاعب بمعتقداتنا لمدة نصف قرن و ساعدته القيادة في ذلك و ابتلع الحليف الجزائري طعم الادعاء، و ظنت جميع القوى الحية في الجزائر و في المخيمات، بأن فرنسا إن تخلت عن الرباط فسينهارنظام المخزن و ستنتصر قضيتنا، و اليوم نحن أمام أزمة فهم و إدراك و أزمة نخب و مؤسسات، لأن التقارير السرية التي تسربت عن الإليزيه و تلك التي تسربت عن الحكومة الألمانية، كانت تكفينا لفهم المستجدات الإقليمية و الجهوية و الدولية، لأنها تحدثت عن المغرب و وصفته بأنه قوة صاعدة و منحته وصف “تركيا الجديدة” في الغرب الإفريقي، حينها قلنا على هذا المنبر الحر، بأن ما يحدث هو تغير جذري في الموازين الدولية، و أن هذا التغير لم تستطع قيادتنا و لا النظام الجزائري فهمه و التأقلم معه أو كبحه…، لأنه أكبر من قدرات كل دول إفريقيا و إن اجتمعت، و حتى فرنسا و ألمانيا و إسبانيا فشلا في كبح التطور الذي تعيشه الرباط و الذي هو عمق التغيير الإستراتيجي بالمنطقة و أكبر مستفيد منه…، و نحن اليوم نحصد أخطاء التدبير الكارثي للبيت الأصفر و لقصر المرادية الذي لم يقيّم جيدا قوة و قدرات عدونا، و لم يدرس تحولات هذا البلد في عمق التاريخ.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك