بقلم: حسام الصحراء
في ليلة سقوط “موغابي”، لم نسمع إدانة لما يجري في زمبابوي على منبر إعلامي دولي واحد، و كأن الجميع تشارك و تضامن في إسقاط العجوز صاحب 93 سنة، حتى الإتحاد الإفريقي الذي كان من المرجح أنه يرعى مثل هذه القضايا و يحمي المؤسسات الرسمية للبلدان الإفريقية بدا موقفه محتشما، و هو يدعو الجيش إلى احترام الشرعية بالبلاد، قبل أن يغرق في الصمت الطويل، فيما أمريكا و بريطانيا باركا الانقلاب دون أن يثير الأمر دهشتهم و كأن الترتيب المسبق لقلب النظام بزمبابوني جرى التنسيق له بين السفارات الأوروبية العاملة بالعاصمة هراري، و هذا ما يدفعنا لإعادة تركيب الأحداث كي نفهم التوجه الذي يرغم الإتحاد الإفريقي على خيانة الرؤساء الأفارقة و على الخصوص الدول الأنجلوسكسونية، نحتاج إلى فهم ما جرى لأن الدور القادم قد يكون على القضية الصحراوية… و هذا ليس تشاؤم… بل توقع لا بد من الأخذ به في عين الاعتبار.
- الوضع قبل الإنقلاب :
كان “روبيرت موغابي” يحكم وطنا يحقق أرقاما خيالية في التضخم و العجز و الفقر، بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة و بريطانيا إثر المجازر التي نفدها النظام و الشعب ضد الملاكين البيض، و المصادرة التي لحقت ملكياتهم الفلاحية، و رغم أن البلاد كانت تعجز عن أداء رواتب موظفيها و تغرق في الديون و عملتها كانت تطبع دون قيمة تعادلها من احتياطات الذهب، فقد كان ينفق الرئيس “موغابي” على حفلاته الخاصة و حفلات زوجته “غريس” المرأة القوية أموالا طائلة و هو الأمر الذي أثار سخط الشعب.
و مع تسرب خبر مرض الرئيس و تنبيه الأطباء إلى أن المرض لن يمهله طويلا و هو المصاب بسرطان البروستات، فقد قررت زوجته عقد صفقات من وراء ظهره خلال زيارتها الأخيرة إلى جنوب إفريقيا، و شراء ود المعارضة عبر تقديم الوعود، و هي الزيارة التي حصلت فيها “غريس موغابي” على الحصانة بعد أن استدعتها محكمة بجنوب إفريقيا بسبب اعتدائها على عارضة أزياء دون سبب، حيث تفيد بعض الأخبار بأن زوجة الرئيس “موغابي” كانت تعيش تحت ضغط نفسي رهيب بسبب فشل شراء موقف المعارضة.
- زوجة موغابي تعقد صفقة من نوع خاص و فرنسا تدخل على الخط:
بعد هذا الفشل اضطرت “غريس موغابي” زوجة الرئيس المريض إلى الاستعانة بخبرة زوجها و مصارحته، و الغريب أن هذا الأخير لم يشعر بالخيانة بل وافق على اقتراحها و دعمها و قرّبها من محيطه الذي يغرق في الفساد و و اقترحها خليفة له على أعضاء الحزب الحاكم.
و في اجتماع لها مع أعضاء الحزب، أشاروا عليها بتنحية قائد الجيش الجنرال “كوننستانتينو شيوينغا” لإضعاف منافسها الأبرز نائب الرئيس آنذاك “إيمرسون منانغاغو”، غير أن أجهزة المخابرات الفرنسية كانت تتابع بدقة و عن قرب ما يجري و تنتظر اللحظة المناسبة لتنحية “موغابي”، و قد أبلغت الجنرال الذي يعد حليفا لباريس بخطة زوجة “موغابي” لعزله ليحصل هذا الأخير على الضوء الأخضر من سفارتي فرنسا و بريطانيا و مباركة البيت الأبيض، في وقت كان فيه العالم منشغلا بنتائج قمة المناخ، للسيطرة على الحكم في الوقت الذي فضلت خلاله الأمم المتحدة تجاهل الوضع.
- ضغط بريطاني يمنع “جاكوب زوما” من مساعدة صديقه “موغابي” :
ظل رئيس جنوب إفريقيا “جاكوب زوما” يمثل السند الخلفي للرئيس “موغابي” المخلوع، حيث لم يتوقف في الماضي عن دعمه ماديا و معنويا، غير أن الهزة التي أسقطت أقدم دكتاتور في القارة الإفريقية، كانت قوتها أكبر من قوة “زوما”، و ذلك لأن هذا الاخير يمتلك القوة العسكرية لفك قبضة الجيش عن قصر الحكم في العاصمة هراري و تحرير صديقه، غير أنه فضل متابعة الأوضاع عن بعد و الاكتفاء بنقل ما يجري للسفراء العالم و للمنظمات الدولية و الشبكات التلفزيونية، دون المغامرة بالتحرك، و لشرح هذا الوقف ندرج قوة السفارة البريطانية في جنوب إفريقيا حيث ضغطت بكل ثقلها لمنع “جاكوب زوما” من التهور و التدخل لإفشال الانقلاب، و أيضا لأن الرأي العام الجنوب إفريقي ينتظر خطأ من رئيسهم لكي يسقطه و يسحب الشرعية منه و يقوده إلى القضاء، لهذا فـ “زوما” لم يكن في وضع أفضل من ذلك الذي كان عليه “موغابي”.
- الانقلاب يفاجئ الجزائر و “مساهل” يعيش عزلة إعلامية بعد الهجمة الشرسة للمغرب عليه :
ظل الوضع ضبابيا في الصحف الجزائرية و بقيت المنابر الرسمية غير واثقة من تطور الأحداث و تحديد طبيعتها، إذا ما كان انقلابا أم مجرد تصحيح لبيت الحكم بزمبابوي، و هذا الأمر كشف عن غياب واجهة إعلامية داخل الخارجية الجزائرية التي لم تخرج بعد من حالة الارتباك التي سببها لها التصريح المتهور لوزيرها “مساهل” ضد العدو المغربي، حيث ظهر عجز مهول أصبح مؤخرا ينكشف داخل دواليب الدبلوماسية الجزائرية و أيضا داخل أذرعها المخابراتية التي تأثرت كثيرا بإلحاق جهاز DRS برئاسة المرادية و إفراغ يد الجيش، خصوصا و أنها لم تتمكن خلال 48 ساعة التي شهدت أحداث احتجاز “موغابي” و أسرته من اختراق الطوق الذي ضرب على القصر الرئاسي ب”هاراري”.
و بقيت الأخبار التي تصل إلى قصر المرادية مصدرها الوحيد سفارة الجزائر في جنوب إفريقيا، بعدما تعطل العمل الدبلوماسي في زمبابوي، و بعدما فرضت فرنسا تعتيما إعلاميا على الأحداث، قبل أن تتأكد الحكومة الجزائرية من خبر استقالة الرئيس “موغابي” و الإعلان الرسمي على نجاح الانقلاب، حيث شعرت الجزائر بأن الإتحاد الإفريقي عقد صفقة مع أطراف مجهولين ليلتزم الحياد و يقبل بالانقلاب على الشرعية لإسقاط نظام حكم “موغابي”.
- القيادة الصحراوية في وضعية شرود :
لم تتحدث صحافة القيادة بالرابوني عن الانقلاب إلا بعد مرور حوالي 12 ساعة من حدوثه، و بقيت تردد خبر أن الرئيس “موغابي” و أسرته بخير و أن الجيش يصفي حساباته مع محيط الرئيس و سيعيد السلطة إلى يد “موغابي” رغم أن الخبر الذي تم تداوله بالمخيمات كان مضحكا في شكله إلا أننا آمنا بنجاة صديق القضية من هذا السلوك الغادر، لكن مع تأكد خبر الانقلاب و توقيع “موغابي” لاستقالته، بدأت الأمور تتغير و أضافت القيادة إلى قائمة الرؤساء أصدقاء القضية الذين خسرناهم إسم “روبيرت موغابي”، ليرتفع منسوب الخوف في قلوبنا من جديد و يزيد مستوى الحيرة بسبب الخسارات التي تصيب القضية.
هذه الكرونولوجيا نسوقها لنفك الضبابية عن الأحداث و أيضا لنمنع القيادة الصحراوية من تأليف الأساطير حول خليفة “موغابي” الذي يعتبر صديق باريس الوفي و هو اليوم مجبر على إرجاع الخدمة التي قدمتها فرنسا إليه بإنجاح انقلابه و تنصيبه رئيسا على وطن زيمبابوي، و رد الجميل من غير شك سيكون في القمم الإفريقية حيث سنخسر موقف زمبابوي لصالح العدو المغربي.. صدقوني.. القادم أراه أسودا.