بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
يقول أحد الحكماء و هو يصف تقلب الأحوال و تحول النعم: “حين يأتي الفيضان فإن السمك يأكل النمل، لكن حين يجف الماء فإن النمل يأكل السمك، إنها تسويات الحياة، و ما على الإنسان غير الإيمان بها…”، فبالأمس كانت خزائن الجزائر تفيض بالخيرات، و كان الحوت الكبير “السعيد بوتفليقة”، و خلفه الجنرال “مدين”، الملقب بـ “توفيق”، و الجنرال “طرطاق”، الملقب بـ “البشير”، و رجال الأعمال بدءا من “علي حداد” و وصولا إلى أسرة “كونيناف” و “ربراب”، يعيثون فسادا في البلاد، ذات اليمين و ذات الشمال مستغلين قربهم من الرئيس المريض…، لكن بعد أن جفت الخزينة و خرج الشعب يقول كلمته لمنع المفسدين من البقاء في سدة الحكم، أصبحت تلك الوجوه الآثمة مكشوفة في العراء، و لا ينقصها غير التصفيد بالنير الثقيل و اقتيادهم إلى بيت العدالة للاقتصاص منهم.
ففي الأمس القريب كتبنا مقالا عن تسرب استدعاء من المحكمة العسكرية للجنرال المتقاعد “توفيق” قصد المثول أمام القضاء العسكري في تهم تخص التحريض و محاولة التشويش على البلاد و إدخالها نفق الشك، و أيضا كانت تطارده تهم كبيرة كالتخابر مع أجهزة معادية و خيانة البلاد و التدخل في سلطة الجيش، و الاستعداد لأعمال تخريبية تضر مصلحة الوطن العليا…، كل هذه التهم و أخرى فصلت على المقاس من طرف “القايد صالح” لتزج بـ “السعيد ” و الجنرالين المتقاعدين “توفيق” و “طرطاق” وراء القضبان، لم تكن لتفاجئ المجتمع الجزائري و لا الرأي العام الدولي الذي يتابع باهتمام التطورات التي تحدث بهذا البلد.
و قد أذيع على التلفزيون الرسمي الجزائري شريط قصير يظهر فيه هذا الثلاثي و هم بصدد الولوج إلى المحكمة العسكرية بالبليدة، يوم الأحد 05 ماي 2019، و بعد ساعات قليلة شاع خبر إيداعهم الحبس المؤقت بأمر من قاضي التحقيق، و أضافت وسائل الإعلام أن الوكيل العسكري للجمهورية لدى المحكمة العسكرية بالبليدة قام بتكليف قاضي تحقيق عسكري بمباشرة إجراءات التحقيق، ليكون بذلك الحراك في الجزائر قد حقق ظاهريا أحد أعظم مطالبه، خصوصا و أنه خلال الجمعتين الأخيرتين رفعت شعارات تتهم قائد الجيش بالتواطؤ مع ما أسموه العصابة التي يرأسها “السعيد بوتفليقة” الذي وصفه الحراك بـ “سارق الختم الرئاسي”.
غير أن هذا التوقيف الذي قام به الجيش و المتابعة للثلاثة الأكثر اتهاما من طرف الحراك في قضايا الاختلاس و تبديد أموال الشعب و التلاعب بمصير البلاد، لا يزال محل شك من طرف العديد من متتبعي الشأن الجزائري، خصوصا و أن الجميع يعرف مدى قدرات قائد الجيش “القايد صالح” على المراوغة و التلاعب بمطالب الشعب منذ بدأ الحراك، إذ يجمع المدونون الجزائريون على صفحات المواقع الاجتماعية، بأن هذا الاستدعاء ربما هو جزء من مناورة الجيش الجزائري لخفض سقف مطالب الحراك و إيقاف الاحتجاجات.
و قد يكون الأمر ضمن مجال الصفقة التي سبق و عقدها “السعيد بوتفليقة” مع “القايد صالح” قبيل تقديم الرئيس لاستقالته، أو بتعبير أدق قبيل أن يكتب “السعيد” استقالة أخيه المنهك، و يجبره على تقديمها في المشهد البائس الذي تناقلته وسائل الإعلام الدولية، و يشرحون هامش الشك هذا بقيام “القايد صالح” بتعديلات بسيطة على ذلك الاتفاق، عبر السماح له بتجاوز بعض الصلاحيات و دفع المحكمة لاستدعاء “السعيد” و المقربين منه، و حتى وضعه رهن الاعتقال من أجل التحقيق معه، هذا الاعتقال دون شك لن يكون كباقي الاعتقالات حيث سيتم تمكينهم من معاملة خاصة و في ظروف سجنية مخملية، من أجل إسكات غليان الشارع الجزائري في انتظار الحكم ببراءتهم السماح لهم بمغادرة البلاد.
و يتوقع المدونون الجزائريون أن تشهد المحكمة بنظافة يد الثلاثي، و أن تعلل المحكمة ذلك بعدم الوصول إلى ما يدينهم و بالتالي سقوط كل التهم عنهم، لأن “القايد صالح” حسب متتبعي الشأن الجزائري، لا يستطيع المجازفة بوضع “السعيد” و الجنرالين في السجن، مخافة أن يفجر الثلاثة فضائح داخل الجيش خصوصا و أن الجنرالين يعتبران علبتين سوداويتين للمخابرات الجزائرية حيث قضى الجنرال “توفيق” 30 سنة على رأس أقوى جهاز في الجزائر و يتعلق الأمر بدائرة الاستعلام و أيضا الفترة التي كان فيها الجنرال “طرطاق” الرجل الثاني بالجهاز، و كذلك “السعيد بوتفليقة” الذي سبق و أن حذر “القايد صالح” أكثر من مرة على لسان “أويحيا” بملفات فساد ضخمة داخل الجيش.
التراشق بالملفات الخطيرة سيكون ديدن المرحلة المقبلة، بين قائد الجيش و بين الثلاثة الموقوفين، غير أن السيناريو الأكثر واقعية و الأقرب إلى الحصول، هو أن يحكم القضاء ببراءتهم و يتم السماح لهم بمغادرة البلاد باتجاه احدى دول الخليج، خصوصا و أن هناك تسريبات تقول بأن غياب “السعيد” عن الأحداث منذ بداية الأسبوع، كان بسبب تواجده بالإمارات حيث أخذ شقيقه الرئيس المستقيل للعلاج بعد وعكة صحية جديدة، و تضيف منابر إعلامية أنه حضر إلى الجزائر بعد أن غادرها من مطار “بوفاريك” العسكري، باتجاه دولة الإمارات العربية، على متن طائرة الرئاسة الجزائرية، و أن هاتفه كان خارج الخدمة منذ الثلاثاء 30 أبريل 2019، و أن كل ما يحصل من تطورات هو مجرد أحداث مفبركة و من إخراج “السعيد بوتفليقة” نفسه و إنتاج إدارة الجيش الجزائري.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك