بـقـلـم : بن بطوش
ثمة أمور يصعب فهمها و تتجاوز إدراكنا…، ليس لأنها علم حصري أو شديد التعقيد، بل لتناظرها مع المنطق و اختلافها مع الخطاب الرسمي الأخلاقي، و خروجها من المشكاة التي تدعي زورا بأنها ركن المبادئ الإسلامية…، ذلك أن “حسن نصر الله”، قائد الحركة اللبنانية الراديكالية الشيعية/الصفوية/الخومينية… التي تسمى زورا “حزب الله”،و التي تقود حروبا بالوكالة عن طهران، أعلنت أنها أنهت عملية ترسيم الحدود مع الكيان الإسرائيلي، و أن المفاوضات التي تمت بشكل سري انتهت بحصول تل أبيب على أراضي حدودية مع لبنان بها احتياطات هائلة جدا من الغاز، و تقول الخرائط الاهتزازية أن تلك الاحتياطات أرقامها مهولة جدا، فيما تحصل “حزب الله” على حقل صغير من اكتشاف نفس الشركة الإسرائيلية التي اكتشفت حقل قطاع غزة، و أن الحقل الذي يقع تحت نفوذ الحركة اللبنانية/الإيرانية، ستتحصل إسرائيل منه على نسبة 30% كحقوق استكشاف، و فرضت إسرائيل على “حسن نصر الله” التوقيع مع الشركة الفرنسية “طوطال”، من أجل استغلال الحقل و ضمان الحصة الإسرائيلية كاملة دون زيادة أو نقصان.
لكن المثير أكثر هو ما ختم به “حسن نصر الله” كلامه، حيث قال أن الاتفاق مع إسرائيل مؤقت إلى أن تتحرر فلسطين، و بعدها يصبح الاتفاق مثبتا و موثقا و شاملا و دائما… !!، و كأن الرجل يتعمد في خطابه إهانة ذكاء الشعب اللبناني، و الأغرب من كل هذا أن الآلة الدعائية لـ “حزب الله” تسوق لهذا الصفقة على أنها انتصار كبير، و أن شيعة العراق و البحرين و السعودية و …، جلهم فرحون بهذا الفتح الذي قادهم إليه “نصر الله”، و وجد ذلك الخطاب الإعلامي وقعا في صدور مريدي هذا الحزب، و رؤوا فيه ثباتا على العهد بخصوص القضية الفلسطينية، و نجاحا تفاوضيا باهرا بأن حصلت إسرائيل على حقل الغاز الأهم و تقاسمت معهم الحقل الصغير…، و هذا حدث مخيف جدا يصعب تجاوزه.
ذكرتني خيبة الشعب اللبناني مع “حسن نصر الله”، بإنجازات البيت الأصفر المقهور، و خطابات قيادتنا بالرابوني عن إعادة انتشار الجيش الشعبي الصحراوي بعد نكسة الكركرات و الانسحاب التكتيكي و الأقصاف و الاختراقات و التهديدات…، و في النهاية تحصل المحتل المغربي على كل شيء حتى الأرضي التي كنا نعتبرها محررة و المعبر الملعون و الثروات، فيما تحصلت قيادتنا على وعود صفراء من الحليف الجزائري بأن تنقل دبلوماسيته مستوى المعارك حول قضيتنا إلى جلسات المحكمة الأوروبية و الأمم المتحدة و الإتحاد الإفريقي…، تخيل معي أيها القارئ الكريم أن من صنع النكسة اللبنانية الأخيرة، هو النموذج الذي تعتقد قيادتنا أنه خير من يستشار في حرب الاستنزاف، و تتدرب على يديه خيرة مقاتلينا…، و الواقع المر أن قيادتنا تتشبث بأضعف جزء في السفينة.
نعود لحصيلة و مخلفات الزيارة الأخيرة لرئيسة الوزراء الفرنسية “إليزابيت بورن” إلى الجزائر، و التي كانت قد حلت بها يوم التاسع من هذا الشهر من أجل إكمال ما جرى الاتفاق عليه بين رئيسي البلدين، و إطلاق الشراكة المفتوحة بين الجزائر و باريس، و كان القياس أن تُفعِّل رئيسة الوزراء جميع الاتفاقيات، و أن تترك بصمة استثمارية ضخمة في مستعمرتها السابقة، عطفا على مستوى الانتظارات و الأماني التي كانت تعقدها القيادة الجزائرية على التقارب الأخير بينهما، و تجاوز ما أسماه الرئيس الجزائري “تبون” سوء الفهم مع باريس، في إشارة إلى الإهانة التي لم يعتذر عليها الرئيس “ماكرون” بعد، و تحقيره للدولة و الشعب الجزائريين بنفي التاريخ العريق لهذا البلد.
الزيارة انتهت و ودع الوزير الأول الجزائري نظيرته الفرنسية و نصف حكومتها التي رافقتها، و أطلق النشطاء حملة تقييم للزيارة، و ما جنته الجزائر من الانفتاح و الصلح مع باريس و مسامحة الرئيس “ماكرون” على إهاناته للجزائريين و تاريخهم…، و قالوا أنها حصيلة مخيبة للآمال، و أن الوزيرة التي أحضرت معها نصف حكومتها لم تطلق مشروعا واحدا مثير للاهتمام، بل كل ما وقعته هو مجرد إعلان للنوايا الحسنة، و محاولة لجر الجزائر إلى المزيد من التنازلات الطاقية، رغم أن جدول الأعمال لم يتضمن نقاشات حول الطاقة بين البلدين، و أن جميع الشراكات التي تم التوقيع عليها تتعلق بمجالات غير مؤثرة في الناتج القومي الجزائري و لا قيمة لها تقنيا، خصوصا إذا علمنا أن فرنسا وعدت الجزائر بإنشاء معامل لمعالجة نفايات الزيتون بعد عصره، و أيضا الاستثمار في التنقيب و الطاقة، و نقل بعض التكنولوجيا الجديدة إلى الحقول المكتشفة من أجل تسييل الغاز، كما وعدتها ببناء قمر اصطناعي صغير سيكون هدية فرنسية للنظام الجزائري من أجل مراقبة الحدود، فيما أعلنت الوزيرة الفرنسية أن الاقتراحات التي تلقتها خلال المفاوضات بخصوص الهجرة و التأشيرات لا تزال قيد الدراسة.
خيبة أمل الجزائريين من زيارة رئيسة الوزراء الفرنسية يلاقيها ارتياح سياسي داخل الإليزيه، و هو الأمر الذي يؤكده الرأي العام الفرنسي من خلال الإعلام الرسمي لباريس، حيث اعتبروا أن قضية الطاقة تم الحسم فيها، و أن الجزائر ستتكلف بتزويد فرنسا بالغاز المسال طيلة الشهور الباردة، و أن فائض الغاز بعد تخزينه سيتم تحويله إلى السوق الألمانية، و أن الثمن الذي تحصلت به فرنسا على الغاز سيبيح لها تحقيق أرباح كبيرة بعد تحويله إلى برلين، لأن الأسعار في السوق الدولية ملتهبة جدا، و أن الولايات المتحدة الأمريكية تبيعه لدول العالم بسعر مضاعف ثلاثة مرات عن السعر الطبيعي و قد وصل ثمنه إلى 136 دولار، فيما تحصل عليه فرنسا بسعر 28 دولار فقط.
السؤال الآن هو: لماذا كل هذا التنازل الجزائري و الذي يلاقي إجحافا و تعنتا فرنسيا… ؟!!، هذا السؤال سنجيب من خلال تفسير بعض الأحداث المفاجئة و التي خدمت باريس و أضعفت موقف الجزائر، و أن قصر المرادية لم يتحصل على استثمارات فرنسية يواجه بها الرأي العام الجزائري و يجيب بها على الأسئلة الملتهبة للنشطاء و المعارضين…، لأن الرئيس “ماكرون” توجه قبل زيارة رئيسة حكومته نحو واشنطن على وجه السرعة، من أجل التدخل عند الرئيس الأمريكي و منع تنزيل عقوبات أمريكية على النظام الجزائري، و وقف تفعيل قانون (CAATSA) الذي صوت الكونغرس الأمريكي على تطبيقه ضد الجزائر بعد صفقات عسكرية مع موسكو تجاوزت السبعة ملايير دولار.
هذا الوضع منح فرنسا نقاطا إضافية و أضعف الحليف الجزائري، و استغله قصر الإليزيه ليملي على قصر المرادية شروط المصالحة الجديدة، دون أن تضطر فرنسا في زمن الأزمة لأن تنفق المزيد من المال على مشاريع من الصعب إنجاحها في الجزائر أو بعيدا عن الجزائر في الوقت الراهن، مقابل حصولها على امتيازات غازية ضخمة و بأسعار شبه مجانية، و بهذا تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد منحت فرنسا فرصة من ذهب.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك