حكومة ما يسمى بـ ”دولة لقبايل” تعلن توصلها بطلب رسمي من الأمم المتحدة للمشاركة في اجتماعات المنظمة… !!؟
بـقـلـم : بن بطوش
في جولة على المواقع الإخبارية و القنوات الشمال إفريقية لاكتشاف جديد الوضع بالمنطقة، تكاد لا تجد من حوار و نقاش غير ذلك الذي يتصارع فيه المغاربة و الجزائريون، مجمل تفاصيله تبادل للتهم و ملاسنات و اتهامات لا تنقطع و لا تنتهي…، لكن المثير، هو ارتقاء الخطاب لدى المثقفين و الخبراء و المحللين في دولة الاحتلال المغربي إلى مستوى أعلى مما تعودنا عليه، و بروز جودة نوعية لدى المتدخلين في البرامج الحوارية، مقابل نظرائهم الجزائريين، و الملاحظ أن ثمة نخبة من المغاربة ظهروا فجأة كجيش من المفكرين و المثقفين و العارفين بالتاريخ و القضايا الشمال إفريقية، و هم يضبطون قواعد السجال الحواري و أعراف الصراع التلفزي، لدرجة جعلتني أظن أن نظام المحتل المغربي ربما كان يعد لهذه المرحلة، و تمكن من تكوين جيل من المثقفين و المبارزين الاعلاميين، و نجح إلى حد كبير في إحراج الجزائر إعلاميا على المستوى المغاربي و الدولي، و تسببوا في ضمور و خسوف كلي للنخب الصحراوية الذين اختفوا عن بكرتهم من القنوات…، بل و اصبح التلفزيون الصحراوي يستعين ببعض الأصوات الشاذة و النكرة من المغاربة لتمرير خطابات منتقدة لنظام بلدهم، كان آخرهم استضافة واحد ملقب بـ “جيروم” يقيم بالأرجنتين، على الرغم من أنه مجرد زنديق خرج عن ملة المسلمين و أصبح شغله الشاغل هو تبخيس التعاليم الإسلامية و الاستخفاف بالرسول (ص).
و لن يزايد أحد على هذا المقال، خصوصا بعد الحوار الذي دار على قناة RT الروسية، حيث بدا المحاور المغربي كما لو أنه درس كل تاريخ شمال إفريقيا قبل حلوله ضيفا على البرنامج، و قدم الحجج من المؤلفات التي يحفظ عناوينها و أسماء كتابها و شرح النظريات أكاديميا…، و هذا يمنحنا الانطباع على أن المحتل المغربي يتجه لتحقيق النقاط على المستوى الإعلامي بعدما مالت الكفة له على المستويين الدبلوماسي و السياسي.
بالمقابل نلاحظ – كما هو الحال على مستوى المعركة الدبلوماسي- اختفاء للمحاورين و المتدخلين الصحراويين من البرامج التلفزية، و الاكتفاء بالتطبيل فايسبوكيا لما يقدمه المحللون ز الأكاديميون من دولة الحليف الجزائري، رغم أن هؤلاء يغرقون في تكرار نفس الخطاب و نفس الحجج التي تدور أساسا على دعم الجزائر للشعوب في تقرير مصيرها…، لذلك ستكون المرحلة القادمة حاسمة إعلاميا، مثلما كانت المرحلة السابقة إبان نكسة الكركرات و قرار الإدارة الأمريكية الذي رجح كفة الرباط، خصوصا مع دخول الصراع الصحراوي المغربي و الصراع المغربي الجزائري مرحلة الخطورة القصوى.
وسط هذا التجاذب الإعلامي الجزائري، أعلنت وكالة الأنباء الإخبارية للكيان الذي يدعى “حكومة جمهورية لقبايل”، أنها توصلت بدعوى من الأمم المتحدة رسميا للمشاركة في فعاليات الاجتماعات المقبلة للمنتظم الدولي، و هو الخبر الذي نزل كقطعة جحيم على قلوبنا نحن الصحراويين قبل الجزائريين شعبا و نظاما، و صدمتنا هي من منطلق أننا نرفض أن تكون قضيتنا سببا في فتح أبواب الفتنة على هذا الوطن الذي احتضن و آوى و رعى قضيتنا… دون قيد أو شرط.
الآن و بعد تأكد الخبر أصبح السؤال هو من يقف خلف هذا الوضع الجديد؟ و من هي الدولة ذات الوزن التي أرغمت الأمم المتحدة سرا دون أن تكشف عن وجهها، لكي تعتمد حضور ممثلي هذا الكيان كممثلين عن منطقة لقبايل، تحت ذريعة التمثيلية الدبلوماسية و السياسة لشعب مضطهد و محتل و يسعى إلى تقرير مصيره ؟…. ثم هل ستضطر الجزائر تحت ضغوط الأمم المتحدة و تأثيرات الوضع الدولي الجديد لتدويل قضية “شعب لقبايل”، إلى القبول بالأمر الواقع و التخلي عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، نظير غض الطرف عن القضية الجديدة و تجنيب الجزائر مرحلة البلقنة و التقطيع العرقي لجغرافيتها المترامية ؟
البداية تكون من فهم الوضع الدولي الذي فرضته الحليفة الجزائر جيو-استراتيجيا بشمال إفريقيا، و محاولتها وضع منطق جديد بالقطيعة مع الرباط و جر الأطراف الليبية إلى حوار وزاري لدول جوار ليبيا، ثم فرض أجندة جزائرية – ألمانية على الليبيين، و تقديم “لعمامرة” وعود لطرابلس من أجل إجلاء المرتزقة، الشيء الذي ورط الجزائر في مواجهة صريحة مع مصالح الدول الكبرى خدمة لأجندة برلين الاقتصادية – السياسية، و التلميح إلى محاصرة المصالح الفرنسية و الروسية و التركية… داخل ليبيا.
ثم من جهة أخرى، حاول النظام الجزائري – عبر وزير خارجيته “رمطان لعمامرة”- منح بلاده سمعة أكبر و دورا أوسع في الشأن الليبي عندما قال أن الجزائر سترسل مراقبين إلى ليبيا لمتابعة الانتخابات القادمة و السهر على شفافيتها، و كأن الجزائر ديمقراطية عريقة، و الجميع يعلم كيف وصل الرئيس “عبد المجيد تبون” إلى قصر المرادية، و كيف تشكلت الحكومة الجزائرية، و كيف تم تمرير عملية التصويت على دستور الجمهورية الجديد.
هناك دافع آخر قد يكون وراء هذا التطور، و يتعلق بالخوف المرضي لدول أوروبا من التقارب الجزائري الإيراني، خصوصا و أن معلومات إستخباراتية تم تسريبها لوسائل إعلام فرنسية، تتحدث عن وجود تمويل جزائري للمفاعلات الإيرانية، و أيضا مشاركة جزائرية علمية في عمليات التخصيب و تسريع الحصول على الوقود النووي، و التحول إلى مرحلة تصنيع الرؤوس النووية، نهجا في ذلك للأسلوب التركي الذي مكن باكستان من الحصول على التكنولوجيا النووية الكاملة بعد استخدام رجال الأعمال الأتراك لشراء هذه التكنولوجيا المعقدة من السوق السوداء، و هذا ما ترى فيه الدول الأوروبية تهديدا مباشرا لأمنها الإستراتيجي من نظام دولة تستطيع تغيير رأيها خمس مرات في دقيقة واحدة…
و من غير شك وجود تكنولوجيا نووية بين يدي الجزائر أو سلاح نووي قد يسبب وجعا في رأس الأوروبيين، و يتم تزكية هذا الطرح من خلال إعلان طهران دعمها المطلق للجزائر و اقتراحها نشر 50 ألف جندني على طول حدودها الغربية مع المغرب، في حالة نشوب نزاع مسلح مع الرباط، و هو ما تجد فيه الدول الأوروبية أيضا تهديدا لسواحلها بخلق بؤرة توتر جديدة في شمال إفريقيا حيث المصالح الأوروبية الحساسة.
لا يمكن اتهام الجمهورية الفرنسية دون أدلة حسب ما جاء في الإعلام الرسمي الجزائري، و القول أنها تقف وراء التطورات الأخيرة داخل الأمم المتحدة في ما أصبح يعرف إعلاميا بقضية #شعب_لقبايل، رغم أن الإعلام الجزائري يربط بين رفض باريس تسليم “فرحات مهني”، رئيس حكومة المنفى لما يسمى دولة لقبايل، لكن الأكيد أن الرباط لا يمكنها أن تكون وراء هذا التطور، لأن الأمين العام و الخمسة الكبار لمجلس الأمن…، من المستحيل أن يؤثر عليهم سفير المغرب في كلمة مقتضبة ردا على مداخلة جزائرية، بل الأمر يبدو أنه إستراتيجية محكمة من جهة ترغب في تأديب الجزائر، و تعلم جيدا بأن جرح لقبايل موجع جدا و مؤلم لحد أن الجزائر باستطاعتها تقديم أي تنازل، لمنع حصول الكارثة في هذه المنطقة التي لا تحتاج إلى فتنة أكبر، و أن الحرائق أكدت عمق الخلاف بين سكان لقبايل و بين النظام الجزائري.
الوضع العام في شمال إفريقيا بعد الأزمة الأخيرة بين الحليف و المحتل و التي تطورت إلى قطع للعلاقات من طرف واحد، و تلاها بزوغ قضية لقبايل، أصبح جد مقلق للشعوب المغاربية، لكن تأثيرات هذا الوضع على الشعب الصحراوي، قد تكون مكلفة لسبب بسيط، أن المغرب ربط نفسيا وذهنيا و أخلاقيا و عقائديا… بين قضية “شعب لقبايل” و القضية الصحراوية، مما يوحي بأن صراع الشعب الصحراوي مستقبلا سيكون مع الشعب الجزائري الذي أصبح يربط بين وحدة الأراضي الجزائرية و القضية الصحراوية…
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك