بـقـلـم : أغيلاس
في هذه الأثناء تسوء أحوال العالم و يشتد الوباء في أوروبا على الناس و توشك إيطاليا و إسبانيا على الانهيار، بعد أن أعلنت الصين سيطرتها على طاعون العصر، و تتراشق الحكومات في الشرق و الغرب الاتهامات و يغذي تطور الأحداث نظرية المؤامرة، لتتحول الكارثة إلى حرب بأبعاد ثلاثية..، أولاها بيولوجي يحمل اسم COVID-19، و ثانيها اقتصادي – بترولي أقل ضراوة تخوضه الرياض ضد موسكو، و ثالثها إنساني بين المجتمعات و أنظمة التطبيب في البلدان الموبوءة.
هذه الأخيرة تُتَّهَمُ فيها الدول الأوروبية أنها تستغل الجائحة العالمية لتصحيح هرمها السكاني…، لا ندري للحقيقة موقعا كي نقف معها، و قول الخبراء و المتابعين و مراكز التحليل و اليقضة الظرفية، هو محض اجتهادات، لأن الحقيقة الحقّة تتمنع عنا الآن و لن نراها إلا بعد سنوات في فيلم هوليودي أو وثائقي عن حروب غير تقليدية بين إمبراطوريات المال في العالم…
و رغم ما يعيشه العالم، إلا أن هناك من يجد في الظرفية مساحة ليصنع الكراهية و يطور خطابها، ذلك أن جهات بالجزائر بدأت مؤخرا عرض الوثائقي الكرتوني “حصار تلمسان 1307/1299″، للشقيقين ”بشير طيب شريف” و “صديق طيب شريف”، و يحكي الوثائقي الذي صور بجودة عالية و استخدمت فيه تقنيات حديثة، و اعتمدت فيه اللغة العربية حتى يصل إلى أكبر شريحة ممكنة بين الدول العربية، إذ يحكي هذا الوثائقي أحداثا تاريخية تعود إلى زمن الدولة المرينية بالمغرب.
و تنطلق أحداث الوثائقي حين عسكر السلطان المريني “يوسف ابن يعقوب” على مشارف تلمسان، بعد رفض “الزيانيين” تسليمه بعض معارضيه الذين فروا إلى هناك، واستجاروا بحكامها في سنة 1299 و بدأ القتال بين الجانبين، و تفنن المخرج في أن اظهار الزيانيين كأبطال في الصمود و أن ينزع عنهم عباءة الخيانة للسلطان عبر تشخيص صمود التلمسانيين، الذي جعل السلطان المريني يحوّل معسكره إلى مدينة أسماها المنصورة، لتتوالى الشهور والسنين، و بعد خمس سنوات من الحصار، توفي السلطان الزياني “عثمان بن يغمراسن”، داخل قصر “المشور”، وخلفه ابنه “أبو زيان بن عثمان”، وكان المرينيون ينتظرون خضوع الملك الشاب، إلا أن التلمسانيين واصلوا صمودهم.
و يحكي الوثائقي الوضع اللاإنساني الذي أصبحت عليه المدينة بعدما أكل السكان القطط والكلاب والجيفة، مثلما جاء في الوثائقي، و بطريقة غلب عليها حس الوطنية الجزائري أكثـر من التوثيق، للتأثير في النفوس أكثر، و صوّر العمل موقفا تاريخيا لنسوة المدينة أثناء الحصار، حين جئن لحاكم تلمسان وطلبن منه الأمر بقتلهن، وهو الموقف الذي أثر في الملك الحزين، وقرر أن يفعل ذلك ويتخلص من نساء البلاط أولا، ثم يخرج رفقة جنده لمواجهة جيش المرينيين والالتحام معه، لتأتي ساعة الفرج بوفاة السلطان المريني “أبو يعقوب يوسف” بعاصمة ملكه فاس، في اليوم نفسه الذي قرر فيه السلطان الزياني قتل نسائه و إمائه.
الوثائقي الذي كان مشروعا يعود إلى تاريخ 2011، و إخراجه من الأرشيف و تحديث نصه و تطوير أحداثه لتتلاءم مع توجهات النظام الجزائري الحالي، يؤكد بأن هناك جهات داخل قصر المرادية تسعى إلى توسعة الخلاف في شمال إفريقيا بين الرباط و الجزائر، و تأسيس مستوى جديد من العداوة، و الدليل أن الحصار التاريخي للدولة المرينية الذي جرى تصويره و تعميمه على دور السينما و وسائل الإعلام الرسمية بالبلاد، استخدم مباشرة بعد أن خرجت الجموع في المغرب و الجزائر تحتفل بفوز منتخب الجزائر بالكأس الإفريقية، و اليوم يعود الوثائقي بقوة، ليستهدف فئة الأطفال في محاولة لخلق جيل للمستقبل يبادل أشقائه العداء و الكره.
فرغم الخلاف الذي عشنا كل تفاصيله في حياتنا كصحراويين مع نظام الاحتلال المغربي، إلا أننا لم نكن يوما ندعو إلى الكراهية بين شعوب المنطقة، لأن الشعب المغربي يبقى شعبا جارا و شقيقا، و ما تقوم به تلك الجهات داخل النظام الجزائري لا يمت للقومية العربية بأي صلة، و كان الأقرب للمنطق أن تكون جودة الوثائقي موجهة لكشف ما فعله الاستعمار إلى الأمس القريب بالشعب الجزائري، و كيف قتل ملايين المجاهدين دون وجه حق، أو كان ليناقش الاحتلال العثماني الذي أباد الجزائريين و أقام نظام الباب العالي على جثت الشرفاء و البسطاء، أو كان ليجتهد أكثر و يكشف جرائم جنرالات خلال العشرية السوداء، و ما فعلوه بالشعب الجزائري و كيف أبادوا قرى عن بكرة أبيها كما حصل في بن “طلحة”، لأن أحداث حصار المرينيين للتلمسانيين، تظل جزءا من التاريخ القديم لشمال إفريقيا، و لا تقارن بالاقتتال الذي حصل بين ألمانيا و فرنسا ، أو فرنسا و بريطانيا.
لا نريد للأحقاد أن تبنى على فهم متشدد للأحداث التاريخية، لأن الوثائقي أراد أن يصور الزيانيين أبطالا، بعد أن قرروا الصمود و حماية معارضي السلطان الذين حاولوا تدبير اغتياله و تبديد أمور المسلمين، و الواقع أن الحماية التي وفرها الزيانيين لهم، تعد خيانة في أعراف الحكم و الولاء، و بناءا عليه فإن الوثائقي يدمر الحقائق و يبني أحكاما غير التي دونت في التاريخ، و اعتمادها من طرف النظام الجزائري يدل على أن لحمة الشعب المغربي و الجزائري بعد كأس إفريقيا أقلقت راحة ساكن المرادية و أفزعته و هددت شيئا من مصالحه.
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك