الرباط تعزز بنيتها الأمنية بإنشاء المعهد العالي للعلوم الأمنية … و الجزائر لا زالت تطارد قياداتها الأمنية الهاربة خارج البلاد
بـقـلـم:بن بطوش
و أنا أحاول البحث عما يُشبع نهم منصة المقارنات بين المؤسسات الأمنية في الجزائر و تلك التي تصنع الحدث في دولة الاحتلال المغربي، تعثرت بمثل إيطالي يكاد يشرح ما يحدث للمؤسسات الجزائرية و حتى الصحراوية؛ إذ يقول: “أن المعطف الذي تلبسه لن يُدفئك إذا كان البرد الذي تشعر به قادم من الداخل… !! “، ففي هذا المثل يوجد عمق معرفي – فلسفي إن تأملناه سنفهم سبب تفوق المحتل المغربي مؤسساتيا، و سَتتكشَّفُ لنا كل أسباب وجع قضيتنا الصحراوية؟ و سنفهم لماذا كل خُطط النظام الجزائري دائما ما تنتهي بنكسات دبلوماسية؟
ذلك أن المفكر و الصحفي “بوعلام صنصال” حين قرر إشعال وسائل الإعلام الدولية و تجييشها ضد النظام الجزائري، فعل ذلك من خلال استفزاز النظام الجزائري و دفعه للتصرف بعشوائية ومزاجية فردانية، بعيدا عن عمل المؤسسات حيث قال في برنامج صحفي أنه سيعود للجزائر لأنها وطنه، و لن يستطيع أحد منعه من العودة إلى بلاده، و أضاف أن الأمن الجزائري لم يعتقله حين وصل إلى المطار، و لم يتحدث معه أحد و لم توجه له تهم، بل تم خطفه بعد أن فاجئوه بوضع غطاء على رأسه و نقله من طرف أشخاص لم يعرف هويتهم…، بعد هذا التصريح أعلن النظام الجزائري أنه ألغى كل تصريحات الدخول التي تخص “صنصال” و انه تم إلغاء جوازه الجزائري، و أصبح “صنصال” مطالبا كأي فرنسي بوضع طلب الحصول على التأشيرة لدى القنصلية العامة الجزائرية بباريس، و أن ينتظر الحصول عليها بعد استيفاء الإجراءات إن هو أراد الدخول للجزائر.
ردة فعل النظام الجزائري كشفت أنها ليست دولة مؤسسات و أن البلاد تُدار بمزاجية من يحكمونها، و أنها لا تتوفر على استراتيجية أو مقاربة أمنية واضحة المعالم و الأهداف، و هي تواجه هذه القضايا بتطرف مبالغ فيه، من السهل إدانته من طرف المؤسسات الحقوقية الدولية، لدرجة أن الإعلام الفرنسي أجمع في حكمه على ملف “بوعلام صنصال” بأن رجلا واحدا هزم دولة بكاملها… !!، و قريبا – حسب الإعلام الفرنسي دائما – فإن أولئك الذين قرروا منع “صنصال” من دخول الجزائر بتعقيد مساطر حصوله على التأشيرة و كأنه أجنبي…، عند أول خلاف مع النظام سيفرون من الجزائر رفقة عائلاتهم و أموالهم و سيطلبون اللجوء أو العلاج في فرنسا، و أن على فرنسا أن تعاملهم بالمثل.
بالطرف الآخر من منصة المقارنات، نجد المؤسسة الأمنية للمحتل المغربي و هي تلعب دور النواة المؤسسة للاستراتيجيات التي تشتغل ضمن منظومة معقدة، تبدأ بالعمل الأمني و تنتهي بالتأثير الدبلوماسي، حيث أطلقت الرباط أكاديمية للعلوم الأمنية بمدينة إفران؛ هذا المعهد العالي الهدف منه ليس فقط تكوين أطر أمنية من دول العالم على مستوى عال جدا…، و لن يكون فقط مركزا لتطوير الإستراتيجيات الأمنية، بل – و حسب ما جاء في الإعلام الدولي عن خصائصه- هو مؤسسة دولية سيتم فيها دراسة القرارات و إنتاج الفتاوى في النوازل الأمنية لمعالجة الجرائم المعقدة بكل أشكالها، بمعنى أن الرباط تمكنت من التحول إلى مركز للقرار الأمني العالمي، و هذا يجعلنا نتحدث عن التطوير الأمني غير التقليدي الذي يشتغل عليه النظام المخزني، و هو يعمد إلى إدراج التكنولوجيا المتطورة في عمل الأجهزة الأمنية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، و الحصول على جيل جديد من رجال الأمن أكثر فاعلية و أكثر تحكما في الجريمة بكل أشكالها، بما فيها جرائم التشهير بالوطن الذي أبدع فيه “بوعلام صنصال”، و الأخطر أن المحتل سيكون المسؤول عن صناعة كوادر أمنية لدول عربية و إفريقية و حتى أوروبية، هي من ستقود المنظومات الأمنية في أوطانها مستقبلا.
هنا نعود خطوة إلى الوراء لنذكر بما كتبناه في مقالاتنا السابقة، عن الدبلوماسية في دولة الاحتلال و أذرعها الأمنية و الرياضية و العسكرية و السياسية و الاقتصادية…، و كيف تشتغل من أجل الفتوحات الدبلوماسية، و حينها قلنا أن منجزات الرياضة بقيادة “فوزي لقجع” الذي جعل قرار الفيفا يصاغ في الرباط بتمكنه من جلب المقر الجهوي للفيفا إلى بلاده، و كذلك تمكن النظام المغربي من إقناع نظام “سويفت” المالي العالمي من إنشاء فرع إفريقي و التمركز بالمدينة المالية للدار البيضاء، ليصبح للمغرب تأثير في هذا النظام الذي سيفيد جدا الحرية المالية و الدفع الإلكتروني للمواطن المغربي، و صولا إلى المنجزات الأمنية بقيادة “عبد اللطيف حموشي” الذي جعل الرباط مركز القرار في أكبر تجمع أمني عالمي “جمعية الإنتربول”… كل هذا العمل عبد الطريق لمهمة وزير الخارجية “ناصر بوريطة”، على المستوى الإفريقي و حتى الدولي…، و اليوم كثمرة لهذا العمل جميع الأنظمة إفريقيا و عربيا تبحث بجهد عن تجارب أمنية و رياضية و اقتصادية و سياسية… ناجحة و قابلة للتطبيق، و ليس عن تنظير أكاديمي فقط، كي تمنح لشعوبها التجارب الناجحة على طبق من الرضى…، و تجد ضالتها في الرباط.
و حين تم استدعاء”عبد اللطيف حموشي” لتوشيحه في عدة دول منها فرنسا و إسبانيا و بريطانيا، و عندما جاءه مدير المخابرات المركزية الأمريكية باحثا عن المشورة…، و أيضا حين قرر الإنتربول أن يمنحه شرف عقد الاجتماع 93 للجمعية الدولية للشرطة الجنائية، و استغلال الوفود الأمنية للدول ذلك الاجتماع من أجل عقد شراكات مع المؤسسات التي يرأسها…، كل هذا لم يكن محض صدفة و لم يكن عملا عشوائيا أو مرتجلا، كما يفعل حليفنا الجزائري، بل إستراتيجية أمنية محكمة الدراسية مرت من مرحلة التفكير و التلقيح و الولادة و مرحلة الرعاية و هي اليوم في مرحلة النضج الكامل، لتجعل من المحتل المغربي خصما غاية في الخطورة على قضيتنا الصحراوية، بعدما تمكن من التحول إلى مركز للقرار الأمني الدولي و أيضا تحول إلى مشتل لصناعة الكوادر التي تستطيع التعامل مع تكنولوجيا الجيل الخامس و الاستعانة بالذكاء الصناعي…، بينما لا تزال قيادتنا الصحراوية تعتمد على “الهنتاتة” الذين صنعوا نكسات الشعب الصحراوي بعطارة سبعينيات القرن الماضي من النضال، حيث كانت عمليات الكتابة على الجدران و توزيع المناشير و الأعلام الوطنية قمة العمل الثوري للجبهة الداخلية ، ليكون السؤال هو: كيف ستواجه قيادتنا الهرمة هذا التحدي الأمني لتحريك الميدان مستقبلا بمدن الصحراء الغربية؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك