بـقـلـم : بن بطوش
ثمة أحداث يكفينا فهمها لنعرف حدود الجرأة عند كل نظام سياسي…، هذه الأحداث تصلح للمقارنات لتشابه النوازل فيها إن لم نقل لتشابه الأنظمة المعتقد بمذهبها، ذلك أن دولة إيران الثورية – الخمينية التي توزع طوائفها و ميلشياتها بين اليمن و سوريا و العراق و البحرين…، و حتى داخل الجزائر، وجدت نفسها أمام مواجهة مباشرة مع الدولة العبرية، حيث تسللت عناصر من الموساد الإسرائيلي داخل العاصمة طهران في واضحة النهار، و اغتالت أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني أمام بيته بخمسة طلقات في صدره، ثم ولوا الأدبار دون أن تستطيع إيران بأجهزتها و أمنها و تكنولوجيتها و تنظيمها، الإطاحة بهم أو اعتقالهم أو اغتيالهم، بل و بكل تواطؤ منها تركت لهم متسعا من الزمن للفرار…، فقال النشطاء أن إيران لربما لا تريد رؤوس “الكوموندو” الذي نفذ الاغتيال بل تسعى لتنفيذ حماقة أكبر، و أن تل أبيت توجد على بعد زر من صواريخها الباليستية، لتدخل إيران الرسمية مرحلة الصمت المخيف، بحكومتها و إعلامها و معارضيها و فقهائها و أشياعها…
و بعد بضع ساعات تعلن إيران عبر صفحاتها على مواقع التواصل بشكل غير رسمي أنها ردت على الاغتيال – الاعتداء، بدك أحد مخازن السلاح…، لكن مع إكمالنا للخبر، علمنا أن مخازن السلاح التي دكتها لا توجد في تل أبيب و لا في حيفا و لا بأي مدينة إسرائيلية، بل داخل أسوار مطار بغداد، و تقول الحسابات الإيرانية الرسمية – منذ أول أمس- عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن هذا الرد القوي و الانتقامي هو لتأديب إسرائيل… !!
ما قامت به دولة إيران كردة فعل أرى أنه لا يختلف كثيرا عن ردة الفعل التي يبديها النظام الجزائري الحليف، و لا أضع المقارنة هنا للطعن في شجاعة قصر المرادية، بقدر ما أضعها للفهم السياسي المرتبط بالوضع المعقد في هذا العالم المتآمر على الدول المنتمية للمعسكر الشرقي؛ فإسرائيل عندما استباحت أمن دولة إيران و نفذت الإعدام فوق تراب عاصمتها، كانت تعلم أن طهران أضعف من أن ترد على العملية باغتيال مماثل داخل تل أبيب، و كانت تعلم أن لها القدرة العسكرية لردع إيران عند أي محاولة لاستهداف أمن إسرائيل، و تعلم أن المنتظم الدولي لن يرحم إيران إذا تهورت…
نفس الإسقاط يقع على الحليف الجزائري الذي يعلم أنه لا يستطيع مجاراة دولة إسبانيا و يعلم أن المحتل المغربي له قوة ردع عسكرية قد تخلق المفاجئة و تحسم أي حرب في غضون ساعات، و رأى كيف خضعت إسبانيا لإرادته بسبب تحالفاته الكبيرة و القوية، لأن التفوق الحقيقي لا يمكن الحصول عليه من تصنيفات الجيوش عبر موقع “غلوبال باور”، بل يخضع لمنطق التفوق التكنولوجي الميداني و حروب الجيل الخامس، و إيران مثلها لا تختلف عن الحليف الجزائري و تعتمد جل ترسانتها على النموذج الشرقي الروسي، الذي تبين أنه متأخر عن نظيره الغربي، كما ظهر في حرب أوكرانيا.
هذه المعطيات كانت وراء الخرجة الإعلامية المرتجلة للأخ القائد، و التي حدثت مباشرة بعد التسارع الأخير للأحداث، و إعلان حركة تحرير لقبايل “الماك” عن إصدارها لدستور جمهوية لقبايل، و خروج “ولد لعكيك” مباشرة بعدها ليخبرنا أن عمليات فدائية سيجرى تنفيذها داخل مدن الصحراء الغربية، و بعد إعلان وزير الخارجية الجزائري “لعمامرة” أن الأزمة مع الرباط لا تحتمل الوساطات و أنه لا توجد وساطة قبل و لا الآن و لا بعد تخص ملف الخلاف مع الرباط، ليكون “لعمامرة” هو أول دبلوماسي في العالم لا يؤمن بالعمل الدبلوماسي و لا بقدرة وزارته على حل هذا الملف الشائك…
لكن يبدو أن التصريحين لم يؤثرا في الرباط و لم يخلفا أي صدى في إعلام الرباط، ليعمد قصر المرادية إلى منح الأخ القائد الضوء الأخضر بحثا عن توسيع الدائرة التي يشملها الغضب الجزائري، حيث قدم حوارا لصحفي بقناة تيلي- سينكو، يحذر فيه إسبانيا و يتوعدها بدفع الفواتير مستقبلا…. هناك من سيتساءل وما دخل الجزائر بخطاب الرئيس الصحراوي و حواره التلفزي؟ بما أن الرجل استدعى الإعلام الإسباني من أجل أن يبلغ “سانشييز” حجم الوجع الذي تسبب فيه دعم حكومته لمشروع الحكم الذاتي بالصحراء الغربية، و يحتج على دخوله في مفاوضات مع الرباط تخص ترسيم الحدود البحرية، دون الرجوع و الاستشارة مع الدولة الصحراوية، و دون الانتباه إلى أن مدريد يجب أن تلتزم بالاتفاق السري مع الجزائر و الذي – رغم الأزمة- لا تزال بموجب بنوذه تحصل مدريد على ملايير الأمتار المكعبة من الغاز… !!!
نجيب عن التساؤل بالعودة إلى ما تقوم به دولة إيران، و اعتمادها على ميلشيات الحوثي في اليمن الجريح…، فعند كل توتر مع العربية السعودية أو مع دولة الإمارات، تلجأ طهران إلى هذه الميلشيات لاستهداف مؤسسات العربية السعودية و ترويع الشعب السعودي، نفس الحلول يلجأ إليها قصر المرادية في خلافاته مع الرباط، و اليوم يدفع النظام الجزائري بـ “إبراهيم غالي” لمهاجمة دولة لا نستطيع الصمود أمامها حتى إعلاميا، و الدليل على أن قائدنا مجرد أداة تستخدم في الهجوم على الإسبان، هو أن الأخ القائد، الذي يعتبر إلى حدود كتابة هذه الأسطر مواطنا إسبانيا، لا يزال ملفه بيد القضاء الإسباني و يعرف أن مدريد ستحرك هذا الملف إذا تحدث دون احترام سلطاتها…، فماذا لو أنه يهددهم ؟ و هم من سمحوا له بالدخول و الخروج سرا إلى وطنهم، و لو أن الأمر بيده، لما تجرأ على الظهور في الإعلام الإسباني و مهاجمة الدولة الإسبانية التي أنقذته من الموت يوم عبث الوباء برئتيه، و كيف له أن يقول بأن إسبانيا عليها تسديد فواتيرها و هو لم يسدد فواتير علاجه في مستشفياتها، و هذا ما باب المقارنة المضحكة – المبكية.
الواقع أن الجزائر أحست بالغدر الإسباني بعد أن قامت مدريد بتوثيق الاتفاق الغازي مع قصر المرادية دوليا و أشهدت عليه منظمة “الأوبك”، و لأن الجزائر لا تمتلك الجرأة على تهديد إسبانيا و أنها لا تقدر على قطع الغاز عنها تجنبا للغضب الدولي، و تعرف أن دول الإتحاد الأوروبي و “الناتو” مع أول توتر قد يحصل، سيصرخون في وجه قصر المرادية و لكم أن تتخيلوا الوضع، خصوصا أنه لا توجد دولة مثل أمريكا لتدعم ظهر الجزائر في مثل هذه الخيارات الانتحارية…، لذلك فالجزائر تتعامل مع القيادة الصحراوية كشركة مناولة جيدة، يمكن للحليف أن يعتمد عليها في مثل هذه القضايا الشائكة، و يمكن لقادتنا تنفيذ المهام التي تدينها الأعراف الدولية و تصنف كفكر بلطجي، و سيتكفل فخامة الرئيس الصحراوي بإبلاغ هذه الرسالة عبر الإعلام الإسباني دون أن يهتم أحد لأمره، فقط “سانشيز” الذي سيفهم تفاصيل البرقية و سيلتقط إشاراتها.
و كما يبدو فإن “إبراهيم غالي” كان يتحدث و يحرك بتوتر أصابعه و هو يلمس الجزء الخشبي من الكنبة الرئاسية، و هذا السلوك يكفي لنعرف بأن الرجل كان في غاية التوتر، و يعرف أنه يقول أشياءا لا تمثل قناعاته، بل يلقيها بلسانه فقط و أنه يلعب دور حمامة ربطت أسلف قدمها رسالة، فدربت على حملها و لم تتدرب على تجنب الصيادين، و يمكن اعتبار تلك الرسالة الموجهة إلى مدريد، سقوطا في المصيدة، و تهورا غير محسوب العواقب، خصوصا و أن القائد تحدث عن قطع للعلاقات مع مدريد، و هذا الكلام تسبب لنا في الإحراج كشعب صحراوي، و جعلنا كشعب صحراوي عرضة للتنمر السياسي، و لا أدري إن كان الأخ القائد يقرأ التعليقات الساخرة و المتنمرة من الأسبان الذين يتساءلون ما الذي تغير في الدنيا بعد قطع الدولة الصحراوية لعلاقاتها مع مدريد…
هذا الأمر لن ينسينا أن الأخ القائد تحدث عن تعرضه للتجسس بواسطة تطبيق بيغاسوس، و هذا موضوع آخر و قصة محرجة نتعفف عن الخوض فيها، حتى لا نقول كلاما يؤثر على بيانات الأقصاف و الحرب الفايسبوكية التي يخوضها جيشنا بنشر سيلفيات كؤوس الشاي من الأراضي المحرمة….فلا يشرفنا أن تكون قضيتنا مجرد عصى في يد الراعي، و لا نريد أن نكون ميلشيات أشبه بالحوثي أو كمرتزقة الفاغنر، يزج بنا في صراعات طاحنة بين قوى لا نستطيع الصمود أمامها و لا نعرف أسباب تناحرهم و لا أهدافهم.
كما أننا لسنا ممن تغريهم الخطابات العنترية المضللة و عبارات تهديد القوى التي تكبرنا بقرون من الحضارة و المجد، ذلك أن واقعنا يقول بأن قيادتنا عاجزة و مقهورة و نظامها مشروخ و لا تمتلك إرادتها و قرارها…، لهذا لا نستطيع إرغام إسبانيا لا اليوم و لا غدا على أداء الفواتير، و حتى الحليف الذي يحرك لسان الأخ القائد من خلف الستار… لا يستطيع ذلك، فقط الرباط لديها الجرأة لقول ذلك و فعله نظرا لحجم تحالفاتها، و هذه حقيقة وجب منا الاعتراف بها دون خجل، و لأننا منبر حر لا يقبل المساهمة في تضليل الرأي العام، نطالب القيادة الصحراوية بترك سدة الحكم لمن هم أكثر فهما للواقع، و أقل قبولا بأن يكونوا حمائم تنقل الرسائل.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك