بـقـلـم: بن بطوش
حين وقف رئيس الحكومة الإسباني أمام نواب بلاده، و واجه ذاك الكم من الانتقاد المحرج، و الأسئلة الموجعة، و نحن نعلم قوة الرأي العام الإسباني و بأس السياسيين الراديكاليين في المملكة الإيبيرية، كي يقول في ختام جلسة المساءلة : “بأن الموقف الإسباني الأخير بدعم مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، يعتبر قرارا صدرا عن إرادة مدريد لحل النزاع…، و أن هذا الدعم هو خطوة للأمام ستساهم بشكل فعال لحل قضية الصحراء التي عمرت لأزيد من 4 عقود…”، حينها أيقنا بأن “دي ميستورا” أضاع – عن سبق إصرار و هو في طريقه إلينا- حقيبة “تقرير المصير” و بقي متشبثا بحقيبة واحدة تحمل خيار “الحكم الذاتي”، و أن “سانشيز” قبل أن يخضع لإرادة الرباط كان قد تعرض لضغط يصعب تحمله، و أن هامش المناورة أمامه أصبح صفرا، و أن أمريكا وضعت سيف العقاب على رقبة الاقتصاد الإسباني دعما للحصار الذي تفرضه الرباط على جنوب إسبانيا و مدينتي سبتة و مليلية…، فاختار “شانشيز” مصلحة بلاده بعد أن خرج من هذا الصراع بصفقة غاز جزائرية شبه مجانية في عصر الندرة الطاقية، كما حصل بعد التسوية مع الرباط على مكافئة الزبون – الشريك للشركات الأمريكية الطاقية، و حاز أيضا رضى بروكسيل.
تعليق الخبراء الأسبان على التنازلات الإسبانية أمام المحتل المغربي، بعد اجتماع صحراء النقب و الزيارة الأخيرة لكبير دبلوماسيي البيت الأبيض، بدت مختلفة جدا عن التصريحات القوية التي خرجت من مشكاة رؤساء حكومات سابقة كـ “أثنار” الذي اعتبر الخطوة خضوعا مذلا للإسبان، و قال أن الرباط بعد هذا الهوان الإسباني من حقها أن تطالب بسبتة و مليلية، و أنها لن تتوقف قبل أن تحصل عليهما، و اليوم يصرح عدد من الخبراء الإسبانيين بشكل مختلف بأن بلادهم ستكون من الدول المحظوظة إذا ما انضمت إلى الحلف الجديد الذي سيعوض “الناتو”، و الذي تشكلت نواته الأولى من أربعة دول عربية بالإضافة إلى أمريكا و إسرائيل، على أن تلتحق بريطانيا و اليابان و الهند بالحلف.
كي نضع أمامك أيها القارئ الكريم المشهد كاملا، نترك محاكمة “سانشيز” أمام البرلمان الإسباني، و قناعاته بأنه قام بما يراه صحيحا و إستراتيجيا لوطنه، و نسرع الخطى كي نحضر الاجتماع إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي و نظيره الجزائري، و الذي سبقه احتجاج أنيق من السفارة الأمريكية بعد برتوكول الراية في جلسة استقبال وزير التجارة الجزائري للسفيرة الأمريكية، حينما تناقلت العدسات مشهد علم أمريكا مقلوبا إلى جانب علم الجزائر، و في الأعراف الدبلوماسية يعتبر قلب الأعلام و تنكيسها في المناسبات الرسمية إهانة للأمم و رسائل عداء…، الاحتجاج الأمريكي كان أنيقا بعدم نشر تلك الصورة على الحسابات الرسمية للسفارة الأمريكية بالجزائر، و الاكتفاء بالإشارة لنشاط الوزيرة من أجل دعم الاقتصاد الجزائري.
لكن يبدو أن سلوك الراية المقلوبة لم يكن خطئا عابرا، حيث تكرر المشهد بشكل مختلف في لقاء “لعمامرة” مع “بلينكن”، حين وضع العلم الأمريكي على الطاولة إلى جانب العلم الجزائري لكن هذه المرة بشكل صحيح، فيما غاب العلم الأمريكي الكبير خلف كرسي الوزير الأمريكي، و تم وضع علم الجزائر فقط خلف “لعمامرة”، و الاكتفاء بالعلم الأمريكي المصغر فوق الطاولة، و هذه إشارة تؤكد الحدث السابق، و تفسر غضب “بلينكن” و اكتفاءه بزيارة من 6 ساعات فقط رغم الأجندة الممتلئة.
نواصل الجلوس مع الوزيرين، و نلاحظ كيف أن الوزير الجزائري يجلس على طرف الكرسي على غير عادته، و يصيغ السمع لكلام الوزير الأمريكي، و يكتفي بمجاراته عبر تحريك رأسه دليلا على الفهم و ترديد بعض كلمات المجاملة، لكن يبدو أن “لعمامرة” كان غير مرتاح لجلسة الحوار، لأن “بلينكن” في اللقاء الصحفي الذي قام به، قال أنه تباحث مع نظيره الجزائري في قضايا الطاقة و الأمن، و أن الجزائر تلعب دورا في الاستقرار و الأمن بالمنطقة، لكن بالتدقيق في كلمات الوزير الأمريكي و نبرة الصوت يبدو الكلام أشبه بتنبيهات دبلوماسية متأدبة إلى الأخطاء، و بإعادة قراءة التصريحات نكتشف أن “بلينكن” يحذر الجزائر من مخاطر العبث بأمن المنطقة، خصوصا و أنه جاء مباشرة من اجتماع صحراء النقب يحمل في جعبته أربع تنبيهات واضحة؛ الأولى عدم التدخل في الشأن الليبي و دعم إجراء الانتخابات الديمقراطية في موعدها، و الثاني عدم تمهيد الطريق لقوات “الفاغنر” الروسية و عدم دعمها للتغلغل أكثر في إفريقيا و محاصرة المصالح الأورو-أمريكية، الثالثة إعادة تشغيل الأنبوب الطاقي المغاربي و التوقف عن تهديد إسبانيا بقطع الغاز عنها بعد دعمها مقترح الحكم الذاتي و احترام العقود المبرمة، لتجنب أي عقوبات محتملة، و أخيرا دعم مقترح “الحكم الذاتي” و رفع يد الوصاية عن الشعب الصحراوي.
بعد الندوة الصحفية لوزير الخارجية الأمريكي، لم نشاهد ندوة كبير الدبلوماسيين الجزائريين و هو يعقب عن فحوى الاجتماع، و ذلك بسبب الغضب الذي خلفته أجندة زيارة الوزير الأمريكي، الذي جاء إلى الجزائر ليترافع عن مصالح الرباط و مدريد و يربط الدعم الاقتصادي للجزائر بالرضوخ للمطالب…، و كي يزيد من حجم الضغط على قصر المرادية، كما فضل “بلينكن” أن يرد على حادثة قلب العلم و عدم وضع علم كبير خلف مقعده، بإنهاء جدول الزيارة في ساعات، و نشر تغريدة على حسابه بتويتر يشكر فيها الشعب المغربي على حسن الضيافة، في إشارة إلى ضعف البرتوكول الجزائري خلال الاستقبال…، و بذلك يكون “بلينكن” قد أهان بلاد الشهداء، و عاملهم بالكثير من الإجحاف.
هذه التفاصيل بجمعها مع تطور الأحداث داخل الشأن الإسباني و التقارب بين مدريد و الرباط، تمنحنا صورة عما تبقى من مسلسل تسوية النزاع حول الصحراء الغربية، مع عدو يعرف كيف تدار الأحداث و كيف يصنع الانتصار، فيما قيادتنا الهرمة لا تزال تصارع الشباب لإقناعهم من أجل التوجه إلى أرض الموت و مواجهة الشيطان “يعني”، و هنا يظهر حجم الفرق، بين دولة تحرك كبار العالم لخدمة مصالحها…، و بين قيادة تعول على شطحات فاسقتين فوق سطح منزلهما بمدينة بوجدور المحتلة لتوهم الشعب بوجود مقاومة ، لتدفع الأسر الضعيفة بالمخيمات للتضحية بفلذات أكبادها مقابل حصة زائدة من قفة المساعدات بمناسبة شهر رمضان الكريم… !!
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك