بـقـلـم:بن بطوش
سأل أحد المريدين الشيخ “جلال الدين الرمي”، قائلا: “نراك تقرأ و تكتب… فماذا تعلمت؟”، ليرد عليه الشيخ:”تعلمت حدودي”، و هكذا نجيبك أيها القارئ الكريم أنت و من أوحى لك بمراسلتنا و تهديدنا بلكنة جزائرية واضحة…، و قد تلفظت بأقبح النعوت و قلت فينا مالم يقله مالك في الخمر، فنحن نخبرك أننا بعد سنوات من الكتابة عرفنا حدودنا، و عرفنا أنه بفضل خطنا التحريري و صفحتنا الفايسبوكية أصبح للقضية جيل من القراء على قدر من النضج، و نفخر بهم و بنقاشاتهم الشاهقة الوعي و السحيقة العمق، و أنه بفضل مقالاتنا الشاملة أصبح “هنتاتة” البيت الأصفر و مرتزقة النضال بالأرض المحتلة أكثر حذرا و أكثر خوفا من الفضائح…، و من يرى في أقلامنا وحوشا أشد بطشا من سلاح “يعني”، فهم على قدر من الخطأ و لا يعرفون من تاريخ تطور الأقوام و الحضارات شيء، و أولئك الذين يتهموننا كفرا بالنضال و طعنا في انتمائنا لهذه القضية العادلة، بأن الشيطان الذي يسكن السلاح “يعني”هو نفسه الذي سكن أقلامنا، بل و يتهمون حتى الشيطان بأنه غير عادل في شره، لأنه حين يوسوس لمن يقبض بجهاز التحكم “يعني” فهو يصطاد بعض الأفراد داخل الأراضي المحرمة، و حين يوسوس لمن يقبض على القلم الصحفي فهو يصطاد الجميع داخل المخيمات و خارجها و بالجبهات و لا يترك أحدا.
فنحن نرحب بك أيها المنتقد و نخبرك أن صدرنا يتسع لرأيك و حتى لتهجمك، و أن كل ما يروج في ذهنك من وساوس هي محض دجل سياسي يصنعه سدنة البيت الأصفر المنقوع، لأن شيطنة خطنا التحريري هو إرهاب فكري ضد الثورة الثقافية الصحراوية، و عسكرة ثقافية لموجة التغيير التي بتتناها و زرعنا بذورها داخل القلوب المؤمنة بمشروعنا الوطني الموقوف التنفيذ…، و لأننا على هذا المنبر الحر لا نروج للبرامج و لا نصفق للأشخاص و لا نشمت في الفاشلين و لا نسبح بحمد من يأمر بصرف المنح و العطايا، و لم يسبق لنا أن حصلنا على أوقية أو درهم أو دينار أو دولار…، و لم نكتب أو نناضل من أجل ورقتي دولار من فئة المائة بعد مشاركة بئيسة في المؤتمر و لم نسافر إلى هناك من أجل أن يتصدق علينا أحد بألف دينار جزائري (60 درهم) في مطار وهران لنشتري وجبة غذاء بعد طول انتظار في مطار قرطاج…، بل نحن ننفق على موقعنا هذا من مالنا الحر الذي نكدح لنحصل عليه، و لا تهمنا التكاليف بقدر ما تهمنا النتائج و تجدد الوعي…، و كل غايتنا أن نكون أهل صلاح و إصلاح، و أن نكون سوطا طويلا يجلد من خان العهد و تنكر للمشروع و أنكر على اللاجئين حقا هم أهله…، غايتنا أن نلتقي حيث استثمرت قيادتنا في التفرقة و الشتات.
أشعر أني أكتب اليوم بوجع مليء بالفخر، و كأنني مقاتل يحارب على جبهتين؛ أحارب المحتل القوي و المتمكن و لا أقدم له التنازلات…، ثم أجدني مضطرا لأقاتل كذلك الخونة و المرتدين عن مشروعنا الكبير، أولئك الذين تذوقوا مال اللجوء و استأنسوا بثقوب الخيام و استحسنوا معلبات المنح و الحسنات، و امتهنوا كل التجارات المحرمة…، ثم أفردوا صدورهم أيام المؤتمر السادس عشر يدافعون عن صناع”التهنتيت” و عن بدع الديموقراطية التي لم يسبقهم إلى فريتها أحد من العالمين، ذلك أن غرف النقاش غصت هذا الأسبوع بفضائح ما جرى في كواليس هذا التجمع الفاسق، و الذي لم ينجب لنا حلولا، بقدر ما أنجب لنا عاهات جديدة تنضاف إلى تلك التي كانت و لازالت و ستستمر.
هذا المؤتمر كشف لنا ما كانت القيادة تتستر عليه لسنوات، و ننطلق من عجز البيت الأصفر عن تنظيم فصوله بالأراضي المحررة، كما وعدنا الأخ القائد ذات خطاب ألقاه في غشت من سنة 2020 من تيفاريتي، حين أقسم فيه بأغلظ الأيمان أنه لا يهاب الموت و سيتقدم الجميع إذا ما تجددت الحرب، و قال أنه سيركز كل جهده لإعمار الأراضي المحررة، وبعد نكبة الكركرات أسقط الأخ القائد خطة عقد المؤتمر بتفاريتي، حيث قال أحد المؤتمرين منتقدا إياه: “ما يقدر يقول كلمة و الدرون تزكنن فوق راسو…،هو يحب بعد ما ينتهي من الخطاب يلود الطافيلات ، و يطرح بين زنادهن لين يعاود يشحن عندهن المعنويات أو توف” (يقصد لقاءه مع “مينة باعلي” في مكان استقبالها بمخيم الداخلة…. سنسرد ما حدث في مقال لاحق).
قول هذا المُؤتَمِر لم يكن مجرد ادعاء أو تَقَوُّلِ على الأخ القائد، بل كان إشارة واضحة لما وقع من كواليس خلال المؤتمر، الذي قصده المناضلون من الأراضي المحتلة و من إسبانيا، و هم يعرفون بأنهم متوجهون إلى “بانكوك” النسخة الصحراوية من أجل الترفيه الجنسي و الساحة و الغنج، و إشباع البطن و الغرائز و إحياء طقس “الكندرة” و ممارسة بعض العادات الشيعية كزواج المتعة الذي أسقط فيه علمائنا بالمخيمات شرط الزواج، و احتفظوا بالمتعة خالصة لمن حضي بها و نال الرضى…، لدرجة أن آخر همومهم كانت هي حضور المعارك السياسية بين القيادات لعلمهم المسبق بأن الأخ القائد حسم أمر الأمانة العامة في قصر المرادية حتى قبل أن يتقرر تاريخ انعقاد المؤتمر، و أن ما حصل بينه و بين “البشير مصطفي السيد” وزير الواتساب كان مجرد استعراض للقوة، كي يُبلغ “عبد القادر الطالب عمر” أنه يستحيل إسقاطه، ما دام حاصلا على الدعم المطلق من القيادة الجزائرية، و أن ما قضاه “إبراهيم غالي” خلال مهمته كسفير في الجزائر لعقود، جعلت حبل العلاقات التي ربطها مع دوائر القرار هناك غليظة متينة لا تنقطع، و أن ” عبد القادر الطالب عمر” يحتاج سنوات طويلة ليصل إلى مستوى الثقة التي تحصل عليها الأخ القائد، رغم أن “إبراهيم غالي” ضغط بكل الطرق لمنع تمرير قانون دمج التجربة القتالية مع النضالية ضمن شروط الترشح، الأمر الذي قطع الطريق على ” ولد الطالب عمر”، و حوله إلى مؤتمر فقط و كشف قوة الأخ القائد على كل الأصعدة.
غير أن المؤلم لم يكن ديكتاتورية الأخ القائد التي يستمدها من تزكيته من طرف القيادات الجزائرية و إيمانها به، بل ما فعله بمنافسه “البشير مصطفى السيد” و كيف تجبر عليه و أذله، خصوصا و أن الأخ القائد استغل اجتماع عرض التقرير الأدبي و المالي، كي يتغنى بإنجازاته الهلامية أمام أنصاره من النساء الذين أحضرهم و انتقاهم ليكون جمهوره و جيشه، في صراعه مع وزير الواتساب، و حوَّل الحصة إلى ندوة لحملته الانتخابية، مما جعل “البشير” ينتفض و يطالب رئاسة المؤتمر بإعطاءه الكلمة عملا بمبدأ العدل و المساواة في الفرص، لكن الرئاسة اهتدت إلى حيلة لرفض طلبه بأن رفعت طلبه للتصويت و هي تعلم بأن ثلاثة أرباع الحاضرين هم من أتباع “إبراهيم غالي”، و أن الربع المتبقي هو أيضا من أتباعه لكنه يمارس به التقية السياسية …أو مجرد مكياج للديمقراطية الصحراوية.
و خلال التصويت رفض الحاضرون بالإجماع إعطاء الكلمة لـ “البشير”، و أمام تهديد هذا الأخير بنسف المؤتمر منحت له 25 دقيقة لإعطاء مداخلته، ففتح القوس أمامه كي يرتكب الخطأ و يتورط في مهاجمته أمام أتباعه، و بكل موضوعية انتقد “وزير الواتساب” المتهور تمرد الجيش على الأخ القائد، و ضعف شخصية و فشله في تدبير الأزمات و عجزه عن التقدم في الحرب، لكن “إبراهيم غالي” الماكر كان يجهز لخصمه طعنة غادرة، حين تنازل عن حقه في تناول الكلمة لكنه بالمقابل أفلت اللجام لأحد الكفار السياسيين ، الذين يجيدون فن اللغو و الإطناب و الرديح المنقوع في حمض القدح و الذم و الهجاء، و يتعلق الأمر بابن عمومته “سلكو عبدالفتاح”، الذي تركه أمام المؤتمرين ينهش بأنيابه في لحم “البشير مصطفى السيد” و ينفث بلسانه في وجهه كل السموم حتى نكسه و أوجع فؤاده، و جعله يجهش الدموع لشدة ما تفوه به ذلك الأشرم من سباب و انتقاص من شخصه في حضور الجميع.
نحن لا نحابي “البشير” و لسنا محزونون لخسارته، فلو استشارنا لأشرنا عليه بالتراجع و لطالبناه بالزهد في المناصب و الاكتفاء بإنفاق ما حصده هو الآخر من “التهنتيت” أيام الراحل “محمد عبد العزيز”، و لكننا نكره قهر الرجال، لأن قهرهم من الكبائر في كل المجتمعات و نحن أهل الصحراء أدرى بهذا الموقف، و عند اليابانيين يفضلون الموت طعنا بسيوف “الكاتانا” على الإذلال و سحق الكرامة امام الأهل…، و أرى أننا مطالبون بالانتصار له، فلا يمكن لقضيتنا أن تكون عادلة و بيننا عزيز قوم مقهور، تخيل أخي القارئ أننا ننتمي لقضية تبجل فيها “سلطانة خيا” و أخواتها، و يهان و يشقى فيها شقيق الأسطورة “الوالي مصطفى السيد”…، تخيل معي حجم الانحراف.
منذ التصويت الذي زف إلينا “إبراهيم غالي” عريسا للمؤتمر، لم نسمع أن رئيسا من دول المعمور تجرأ و هنأ “إبراهيم غالي” على نصره الكاسح، فقط الرئيس “تبون” من بين زعماء القارة البائسة من يجرؤ، و هذا يؤكد أن اسم الرجل بسمعته و إنجازه أصبح مدعاة قلق لدى زعماء القارة المسحوقة…، و كلنا ندرك أن ما يهم الأخ القائد ليس عزوف القيادات الإفريقية عنه، بل أن يَنْفَضَّ المؤتمر كي يحرر ذئابه، حتى يخلو كل خليل بخليلته، فاللواتي حضرن من الأراضي المحتلة وضعن سقفا للمزايدات بين القيادات، و نال شرف المبيت معهن كل من أنفق عليهن بغير حساب، و وفر لهن سيارات خاصة لنقلهن و دعاهن للولائم، و من حضر من ذكور الأراضي المحتلة يحمل في قلبه الحقد و الغل و صراعات دكاكين النضال…، توغل بين سكان مخيم الداخلة يبحث عمن لديها الفضول كي يكشف لها عن ما يخفيه من تجربة…، و من المناضلين من اختارأن يقضي خلوته في مدائن الجزائر…، لكن اليقين أن المؤتمر السادس عشر كشف بأن الخلافات تعمقت إلى حد يصعب رتقها، و أن الأخ” إبراهيم غالي” و بقية قادة البيت الأصفر، فقدوا ما تبقى من إيمانهم بمناضلي الضفة الأخرى.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك