بـقـلـم : بن بطوش
بينما تتركز كل جهود العالم من أجل إغلاق باب من أبواب الجحيم الذي فتح في منطقة البحر الأسود، و بينما تسير الفلول البشرية هاربة من أرض الموت الأوكرانية، و تتطوع الحشود لإنقاذ الأرواح من نيران الغضب الروسي…، عمد طلبة من أرض الشهداء كانوا ضمن الجالية الجزائرية التي اختارت جامعات و معاهد كييف لطلب العلم، إلى نشر مقطع مصور أعلنوا خلاله أنهم يوثقون لفرار السكان الأوكرانيون من منازلهم، و أنهم ينتظرون فقط نزول ظلمة الليل كي يستبيحوا حرمات المنازل المهجورة و يسرقوها…، كان المقطع المصور للطالبَيْن الجزائريين بغاية الإهانة لأخلاق ملايين المهاجرين الجزائريين الكادحين بأوروبا…، المقطع جعلنا كرأي عام صحراوي -لا يمكن فصله عن الرأي العام الجزائري- نشعر بخيبة الأمل، لأن الإنسان الجزائري الذي خبر ظروف الحرب و عايش آلامها، و تجرع مرارة الإحتلال و الفقدان و العيش بين الركام مع الحزن…، لم يكن يوما لصا و لم يكن “هجاما” يستبيح حرمات الديار التي تأويه و تعلمه و تطعمه و تصنع مستقبله…، لا يشرف شعب الشهداء مثل هؤلاء ممن يحرفون صورة الجزائريين، و يخدشون سمعتهم بين الأمم…، فالجزائري لم يكن يوما لصا، و هذا السلوك كسر كل قواعد الحياء و النبل… التي لم يجرؤ على كسرها حتى الجنود الروس في عدوانهم.
و أنت تطالع هذا المقال أيها القارئ الكريم، تكون الحرب الروسية على أوكرانيا قد دَخَلت أسبوعها الثاني، هذه الحرب التي يصفها الإعلام الدولي بغير العادلة، متغافلين أن التاريخ لم يعرف يوما حربا عادلة، و كلها كانت حروبا ظالمة في حق الأبرياء الذين يدفعون ثمن الخلافات السياسية و الإستراتيجية بين الأفراد و الحكومات و الشركات…، كانت حروبا تعلن تحت غطاء الأمن القومي و العمليات الإستباقية و الضربة الوقائية…، مرت حربان عالمتان حصدتا ملايين الأرواح و طمست معالم دول، و اليوم من السخرية أن نقول هذه الحقيقة بأن السلاح النووي هو الذي يمنع من تحول هذا الغزو الروسي إلى حرب عالمية ثالثة حتى الآن…فهذه الحرب تبدو غريبة، بسبب رؤية كل طرف لأحداثها، و الأسلوب الذي ستحسم به، و كذا بسبب مستويات حدوثها…
فالمستوى الأول ميداني يقوم به الجيش الروسي على أرض الواقع من تدمير شامل لأي شيء أوكراني…، لكن حتى هذه اللحظة لا تزال روسيا بكل ترسانتها عاجزة عن إخضاع هذه الدولة، بعدما تحولت أرض الأوكرانيين إلى ثقب أسود يبتلع قوافل الروس و تدخلها الفيالق كي لا تعود، بل الأكثر من هذا أصبح الجيش الأوكراني ينفذ هجمات داخل التراب الروسي ليمنع الإمدادات عن الجيش المتوغل داخل أوكرانيا.
و المستوى الثاني مرتبط بالحرب الاقتصادية و الرقمية المدمرة، التي يخوضها الغرب ضد موسكو، و التي قال عنها خبراء المراكز المالية أنها أشد تدميرا من تفجير عشرة قنابل نووية على مدن متفرقة في روسيا، و أنها ستعيد روسيا إلى عصر ما قبل الثورة البولشفية، إلى حياة البؤس و الفقر و المجاعات…، حيث أخرجت أمريكا البنك المركزي الروسي من نظام “سويفت” المالي، و حرمت الشركات و الحكومة الروسية من التعامل بالعملات الدولية القوية كالأورو و الدولار و الين…، و منعت بنوكها من نظام الدفع الآلي الدولي لشركتي “ماستر كارد” و “فيزا”، و جمدت أرصدة رجال الأعمال الروس في بنوك العالم، بمن فيهم رجال الأعمال المالكين لجزء من مجموعة “روشيلد القابضة” و الذين يديرون أموال الرئيس الروسي “بوتين” داخل أهم التجمعات المالية الأمريكية، و منع نظام الملاحة البحري جميع السفن الروسية من الرسو في موانئ العالم.
كما جرى منع جميع السفن من التوجه إلى الموانئ الروسية، و أعلنت شركات التأمين بكل أشكالها إخراج دولة روسيا من نظامها، و أغلقت أوروبا أجوائها في وجه الطيران الروسي، و أعلن عمالقة النفط العالميين انسحابهم من مشروع الغاز الروسي – الأوروبي، و بدأت النرويج و السويد و فنلندا…، سحب كل استثماراتهم من روسيا، و يجري على قدم وساق إعداد المساطر القانونية لطرد روسيا من مجلس الأمن و تجميد “الفيتو” الخاص بها…
هذا المستويان يظهران بشكل كبير حجم الاختلاف بين الشرق و الغرب في صناعة الدمار، و أن الروس لا يزالون يؤمنون بالحروب الميكانيكية المدمرة للبنية التحتية، بينما الغرب أطلق حربا من الجيل الجديد أكثر تدميرا للإنسان، ليصبح السؤال أيها القارئ الكريم، هو ما مستوى التأثير الذي سيصيب القضية الصحراوية بسبب هذه الحرب التي يخوضها الشرق ضد الغرب، و لماذا انتشر الفزع في صفوف الجيش الجزائري… !!؟
فالوضع الميداني يخبرنا بأن الجيش الروسي بعد عشر سنوات من تجريب الأسلحة في سوريا و ليبيا، هو اليوم يدخل حربا حقيقية، مع خصم ليس حتى بنصف قوة الجيش الروسي حسب أرقام موقع “كلوبال باور” لتصنيف الجيوش، لكن – و إلى حدود الساعة – فقد أعلنت وسائل الإعلام الأوروبية أن خسائر روسيا العسكرية كبيرة جدا و غير متوقعة، و أن السلاح الروسي لا يستطيع الصمود أمام السلاح الغربي و أن المقاومة الأوكرانية حصدت أرواح أزيد من 6.000 جندي روسي، و أن الجيش الروسي يفقد في كل لحظة قوافل عسكرية كاملة داخل العمق الأوكراني، و أن صواريخ “الجافلين” الأمريكية الفائقة الذكاء، التي حصلت عليها أوكرانيا، حولت دبابات T-90 التي تعد فخر الصناعة الروسية، إلى خردة مكدسة في مقابر معدنية بشوارع كييف.
فيما الدفاعات الجوية الروسية بمن فيها بطاريات S.400 و S.300 تم تدميرها بسهولة فوق التراب الروسي من طرف المسيرات التي حصل عليها الجيش الأوكراني من أمريكا و إسرائيل و تركيا و بريطانيا…، و أن الجيش الروسي خسر حتى الآن أزيد من 29 مقاتلة من الطرازات الأخيرة لمقاتلات “الميغ” و “السوخوي”، و أن أزيد من أربع طائرات روسية مقاتلة حديثة الصنع سقطت بسبب أعطاب ميكانيكية و عيوب تشغيلية، فيما شاهد العالم كيف يجر فلاح أوكراني دبابة روسية بجراره البسيط كي يبعدها عن حقله.
هنا نتوقف قليلا و نعود إلى الحرب التي يخوضها جيشنا الصحراوي ضد جيش المحتل المغربي منذ شهور طويلة، لتفسير بعض المعطيات المرتبطة بالتفوق الإستراتيجي و التقني، كي نقول أننا أخيرا عثرنا على التفسير الذي يجعلنا نفهم سبب تحمل جيشنا الصحراوي خسائر الحرب من طرف واحد، و كيف أن جنديا بسيطا من ثكنة بمراكش يحاربنا من داخل غرفته المكيفة و يطارد مقاتلينا و يصطادهم بمسيرة لعينة متفوقة تكنولوجيا، رغم احتمائهم بمدرعات سوفيتية عتيقة، و رغم التمويه الصحراوي على عرباتهم، و يفسر لنا سبب غباء صواريخنا التي يرميها المقاتلون الصحراويون باتجاه المجهول، كي تبتلعها الصحراء الشاسعة و الموحشة.
خطورة الأمر لا تتوقف هنا فقط، بل تتعداها إلى تأكيد رأي الجنرال الجزائري “محمد قايدي”، و الذي استبعده قائد الجيش “سعيد شنقريحة”، و أمر بتوقيفه بسبب رأيه في مجلس الأمن الجزائري، حين كان كبير الجيش الجزائري يسعى لوضع خطة حرب ضد المحتل المغربي و يبحث عن التأييد من كبار القادة العسكريين، حينها قال الجنرال الشاب الملقب بـ “المنجل”، أن الحرب مع المغرب دون إطلاع على ترسانته الحقيقية، تعد مغامرة قد تؤدي إلى نتائج كارثية، و أن المحتل المغربي متعاقد على أسلحة جد متطورة و ذات فاعليه إستراتيجية، و أن المغرب نصف ترسانته سرية و غير مكشوفة، بينما الترسانة الجزائرية تحتاج إلى صيانة بسبب عمرها و ظروف تخزينها.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك