بقلم : الغضنفر
“التفكير خارج الصندوق” هو أن نفكر بطريقة مختلفة عن كل الأشياء التي اعتدنا عليها… أن نمتلك المرونة الكافية لكي نبتعد عن منطق القطيع و أن نسلك طريق الإبداع في تفكيرنا، أن نفتح الأفق لخيالنا ولعيوننا لترى الصورة الكاملة، لنحاول البحث عن كل الحلول الممكنة بطريقة فطرية، بعيدة عن الانحياز لأفكار وأساليب مسبقة و عادية، مع عدم التخلي عنها بشكل كامل…. و لنفهم ما أريد قوله سأروي لكم قصة تعتبر أحد الامثلة لأسلوب “التفكير خارج الصندوق”.
قديما، في أحد القرى الهندية، كان هناك مزارع بسيط اقترض مبلغا كبيرا من المال من أحد أغنياء القرية و عجز عن تسديده، و كان المُقرض – و هو عجوز قبيح الوجه– قد أُعجب ببنت المزارع الفاتنة، فقدّم عرضا ماكرا للمزارع، اقترح فيه بأنه سيعفيه من ديونه إذا زوّجه ابنته، و أوضح له، بعدما أحس بامتعاض كبير من طرف المزارع و ابنته من هذه المقايضة، بأن “القدر” هو من سيحسم في هذا الأمر من خلال لعبة الاحتمالات؛ حيث اخبرهما أمام حضور بعض سكان القرية بأنه سيضع حصاتين؛ واحدة سوداء و الأخرى بيضاء في كيس، و على الفتاة التقاط إحدى الحصاتين و القرار سيكون على الشكل التالي:
- 1. إذا التقطت الحصاة السوداء؛ تصبح زوجته ويتنازل عن ما بذمة أبيها من قروض.
- 2. إذا التقطت الحصاة البيضاء؛ لا تتزوجه و سيتنازل عن قرض أبيها.
- 3. إذا رفضت التقاط أي حصاة؛ سيسجن والدها بسبب عدم سداد القرض.
كان الجميع واقفين على ممر مفروش بالحصى في أرض المزارع، و حينما كان النقاش جاريا حول هذا الموضوع، انحنى العجوز الغني ليلتقط حصاتين من الأرض، و انتبهت الفتاة إلى أنه التقط حصاتين سوداويتين ووضعهما في الكيس، ثم طلب من الفتاة إدخال يدها في الكيس لالتقاط حصاة … و لنتخيل للحظة ماذا يمكن أن تفعله الفتاة لتخرج نفسها من هذا المأزق و هي تعلم أن لا وجود لحصاة بيضاء في الكيس؛ هل سترفض التقاط الحصاة و بالتالي سيذهب أبوها للسجن؟ هل عليها كشف وجود حصاتين سوداويتين في الكيس لتوضح للجميع بأن الرجل غشّاش ومع ذلك هذا لن ينهي مشكل القرض؟ أم تلتقط الفتاة الحصاة السوداء وتضحي بنفسها لتنقذ أباها من القرض و السجن؟؟؟؟
لكن ما فعلته الفتاة سيوضح الفرق بين التفكير السطحي و التفكير المنطقي، إذ أن ورطتها لا يمكن الإفلات منها إذا استخدمنا التفكير المألوف، فقد أدخلت الفتاة يدها في الكيس و سحبت منه حصاة و بدون أن تفتح يدها أو تنظر إلى لون الحصاة، قامت بافتعال تعثرتها فأسقطت الحصاة من يدها في الممر المملوء بالحصى ، وبذلك كان من الصعب على الحاضرين الجزم بلون الحصاة التي التقطتها الفتاة … و لما نهضت قالت: “يا لي من حمقاء لقد ضاعت مني الحصاة، و لكننا نستطيع النظر في الكيس للحصاة الباقية و عندئذ نعرف لون الحصاة التي التقطتها”… هكذا قالت الفتاة، و بما أن الحصاة المتبقية سوداء، فإن الجميع افترض أنها التقطت الحصاة البيضاء، و بما أن العجوز لن يجرؤ على فضح غشّه، فقد أنقذت الفتاة نفسها من أن تتزوج مُكرهة و أباها من قرض يثقل كاهله.
الحيلة التي لجأت إليها تلك الفتاة الهندية هو ما يطلق عليه “التفكير خارج الصندوق”، لكن – للأسف- هذا النوع من التفكير لا تملكه الفاسقة “سلطانة خيا”، بل إنها لا تملك تفكيرا أصلا، لا خارج الصندوق و لا داخله، و قد تأكد هذا من خلال ما فعلته يوم الاثنين الماضي ( 14 فبراير 2022)، عندما حاول زيارتها وفد من الرباط يمثل ما يسمس “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” للإطلاع على أوضاعها و التحقيق فيما تعرضت له من انتهاكات حقوقية، و كان أمامها – في إطار التفكير العادي- خياران لا ثالث لهما و أحلاهما مر؛ إما القبول باستقبال الوفد لسرد كل ما تعرضت له، و هو ما يعني معاكسة أوامر التنظيم السياسي و إعطاء “الشرعية” لعمل ذلك المجلس بالصحراء الغربية، أو رفض الاستقبال تماما… و الخيار الثاني هو ما فعلته “سلطانة”، حيث أوصدت باب المنزل في وجه الوفد و صعدت إلى الطابق الثاني لتطل عليه – هي و أختها “الواعرة”- من نوافذ المنزل و تواجهه بالصراخ الهستيري لاستعراض مواقفها السياسية من القضية الصحراوية.
الحقيقة أن أعضاء الوفد الحقوقي المغربي كانوا مستعدين مسبقا لهذا السيناريو و كانوا يعرفون بأن “سلطانة” سترفض اللقاء و ستتصرف بهذه الهستيريا، و مع ذلك جاءوا إلى مدينة بوجدور المحتلة، لتسجيل مجموعة من النقاط لصالح المحتل المغربي مع الأوساط الدولية لحقوق الإنسان؛ من بينها تفنيد فكرة وجود حصار حول منزلها و انتزاع موقف واضح من عائلتها بخصوصها و إقامة الحجة عليها بخصوص رفضها الخضوع لخبرة طبية و بالتالي تكريس صورتها كناشطة سياسية لا علاقة لها بموضوع حقوق الإنسان …. بمعنى أن المحتل المغربي – عبر مجلسه الوطني المذكورـ أراد فقط من خلال هذه الزيارة إقفال الملف في جانبه الحقوقي في موضوع “سلطانة”، و جعل العالم يدرك أن النوازع السياسية المرتبطة بالقضية الصحراوية هي ما يحرك هذه الأخيرة، و بالتالي يؤثر صراخها أو مواقفها الشخصية بخصوص هذا الجانب بما أن الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة المخولة لها التدخل في هذا الأمر و هي تعرف بأن الصحراويين منقسمين آرائهم بين مطلبي الاستقلال و الانضمام،… و بما أن المنتظم الدولي لم يفعل شيئا منذ أكثر من 45 سنة لإنهاء المعاناة الإنسانية لأكثر من 150000 من اللاجئين بتندوف و لم يحرك ساكنا في موضوع الحرب التي يموت فيها يوميا شبابنا المقاتل، فلا أظن أن صراخ امرأة أو امرأتين يوميا فوق سطح منزلهما ستجعل الأمم المتحدة تسارع لإيجاد حل.
و رغم أنني غير مقتنع – كما جل المناضلين بالأرض المحتلة- بإصرار الفاسقة “سلطانة” على الاستمرار في مسرحيتها؛ لأنها لا تقدم و لا تؤخر شيئا في القضية الوطنية رغم كم العبارات الشاتمة للاحتلال المغربي و الممجدة للشعب الصحراوي، بل فقط هي تكرس بمدينة بوجدور المحتلة صورتها و أختها “الواعرة” كامراتين خارج منظومة الأخلاق و الآداب العامة و بات الجميع هناك ينظر إليهما كمجنونتين تسببتا في إيداء أحبالهما الصوتية بالصراخ فوق منزلهما ظهيرة كل يوم.
إلا أنني –مع ذلك- اعتقد بأن التفكير خارج الصندوق كان هو الحل الأنسب فيما حدث لهما مع الوفد الحقوقي المغربي؛ فالنضال يتطلب كثيرا من الذكاء كأن تتحرك في الاتجاه العكسي لما كان ينتظره منك عدوك و لذلك أظن أن “سلطانة” و أختها فوتتا على نفسيهما فرصة ذهبية للظهور كمناضلتين حقيقيتين، لو أنهما امتلكتا الشجاعة و النضج الفكري لإفحام الوفد الحقوقي المغربي عبر القبول باستقباله في المنزل و الجلوس معه بشروط من شأنها خدمة القضية الوطنية؛ كأن تفرضا مثلا تصوير اللقاء كاملا و استغلاله إعلاميا كنوع من المناظرة و المواجهة العلنية مع الاحتلال المغربي في قضية الصحراء الغربية، بدل تلك المشاهد البديئة و المزعجة من نافذة المنزل و هما تملآن الدنيا صراخا و تلوحان بأيديهما و كأنهما في مشاجرة مع الجيران.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك