بـقـلـم : بن بطوش
بعد شهور طويلة من الترويج الإعلامي و التحضير النفسي لتاريخ الأول من نوفمبر، الذي تتزامن ذكراه الثورية المجيدة مع قطع صبيب آخر العابرين للحدود الجزائرية – المغربية، و مثلما قال المرابط “ولد سلمى” في تدوينته، لم يعد يمر عبر تلك الحدود غير الهواء و الطيور التي لا تحمل ترقيما مغربيا…، بينما نحن على هذا الموقع الحر نقول أن العابر الأخير الذي بقي هي أماني الشعوب…، و المثير في القرار الجزائري الذي إتخذ منذ شهور، كون حكومة دولة الإحتلال المغربي لم تعقد اجتماعا طارئا لإنقاذ الوضع الطاقي بالبلاد جراء قطع أنبوب الغاز، و لم نسمع أن الشركات تهرب من المغرب بعد توقف تدفق الغاز من الجزائر، و لم نلاحظ أي ارتباك في حركة الاقتصاد و الملاحة و الإضاءة…، و لم نسجل في إعلام الرباط أي مقال يتحدث عن ندرة الغاز بمدن المملكة…، و هذا جعلنا نشعر أن الرباط قد تجاوزت الأزمة قبل حدوثها، و هي الآن في مرحلة ما بعد وقف الأنبوب الغازي المغاربي، و الصراخ الإعلامي الوحيد الذي بلغنا…، فهو من صحافة مدريد و لشبونة.
يحزنني القول أن قضيتنا الصحراوية أصبحت سيخا حاميا يطعن مشاعر الانتماء العروبي، و سببا تتجادل و تختلف لأجله البلدان العربية في جامعتها المهزوزة، و يشعرني بالحرج أن أجد ناشطا جزائريا ابن مكة الثوار، و قد أعد مقطعا مصورا من نصف ساعة يتهم فيه القضية الصحراوية بتدمير اقتصاد وطنه و تأزيم الوضع الاجتماعي لشعبه…، ذلك أنه بعد أن نشرت شبكة أخبار دولة تونس على صفحتها الرسمية، نبأ ضخ النظام الجزائري ثلاثة مليارات من الدولار في خزينة قصر قرطاج، أجمع النشطاء الجزائريون الغاضبون من القرار الرئاسي لـ “عبد المجيد تبون”، أن الجزائر بضخها هذه القيمة تكون قد أدت ثمن موقف تونس في مجلس الأمن، و أضافوا أنه أغلى امتناع عن التصويت في تاريخ مجلس الأمن، و أن الرقم لا يعبر عن سخاء الجزائر بقدر ما يعبر عن دهاء التونسيين و جودة نخبهم، و أنهوا التدوينات بالتساؤل ما القيمة المادية التي حصل عليها الروس لقاء تغريدته المتأخرة ؟ و ما الثروة التي حصل عليها الروس لقاء استخدام الفيتو…؟
و حتى لا تهجر بنا الأحداث العرضية إلى نقاش لا حاجة لنا به الآن…، نعود أيها القارئ الكريم إلى البيانين اللذان إصدارهما كل من البيت الأصفر الشاحب من صدمة مجلس الأمن، و قصر المرادية الذي بدأ يدرك و يشعر بقوة و خطورة الاعتراف الأمريكي بسيادة الرباط على الصحراء الغربية، حيث كتبت قيادتنا – دون حياء- في الفقرة الأولى من بيانها بكل الوجع أنها “ترفض التقاعس و الصمت المؤسف لمجلس الأمن و خاصة بعض الأعضاء المؤثرين، اللذين يتجليان في نص و روح قراره الجديد الذي يعد نكسة خطيرة ستكون لها أثار بالغة على السلم و الاستقرار في المنطقة برمتها”، هذه الصيغة البكائية من قيادتنا و الركيكة لغويا بسبب الأخطاء التي تضمنتها…، تجعلنا نتخيل أن القادة في اجتماعهم كانوا يكتبون البيان صامتين، و و يتنابزون بينهم همسا، دون النظر في وجوه بعضهم البعض، لأن البيان بصيغته الركيكة يشرح الوضع النفسي الحرج لساكني البيت الأصفر و حجم الرجة العاطفية التي ألمت بهم.
هذا البيان كغيره من بيانات القيادة يفتقد للحياء القيادي، لأن القياس كان يقتضي أن يتضمن نقاطا شارحة موجهة للمواطن البسيط في المخيمات، الذي مل من وعود كلما اقترب اجتماع مجلس الأمن، و كان لازما على الأخ القائد “إبراهيم غالي” أن يكتب عبارات قصيرة مقتضبة و بسيطة الفهم، يعتذر فيها من الأرملة التي أزهق سلاح “يعني” روح زوجها، و من اليتيم الذي ظل ينتظر عودة والده من المعركة و لا يزال إلى اليوم ينتظر، كان على الأخ القائد أن يبدأ بيانه بالاعتذار من الأم والأب اللذان وُعِدا بالوطن و هُجِّرَا طمعا و إيمانا بمشروع الرعيل الأول، و اليوم هما في أرذل العمر يخشيان حدوث حرب شاملة يكون وقودها ما بقي من أبناءئهما و أحفادهما…، كان على الأخ القائد أن يتلو البيان أمام وسائل الإعلام و بعدها يتلوا علينا استقالته، لأنه وفريقه القيادي سقطوا أمام المحتل بالقاضية.
بيان القيادة تحدث بفظاظة عن الأمم المتحدة، و حملها أكثر مما تتحمله، و قال أن مهمة الأمين العام الأممي الجديد “دي ميستورا” محكومة مسبقا بالفشل، و نسي أن الحكم الذي أطلقته القيادة في بيانها يضحك منه المحتل، الذي يتمنى استمرار هذا الوضع إلى مالا نهاية، و يتمنى أن تسعى القيادة لإفشال مهمة المبعوث الشخصي للأمين العام، بل المحتل المغربي يتمنى من أعماقه أن تستمر القيادة في رفض “مقترح الحكم الذاتي” لأنه يرى أن القضية قد حسمت و انتهت لصالحه، و أن ما بقي منها مجرد مناوشات يائسة لقيادتنا المضغوطة من الحليف الجزائري، و أقول أنها مضغوطة من قصر المرادية لأن المجتمع الدولي بدأ يدفع باتجاه إحصاء ساكنة المخيمات، و منحهم بطاقة اللاجئ، و أن الأجيال التي تولد في المخيمات بدأت ترفض البقاء في خلاءها، و تفضل الهجرة إلى المدن الجزائرية و الاستقرار بها من أجل العيش بكرامة.
يستمر نواح بطانة السوء في البيت الأصفر إلى غاية الفقرة السادسة من البيان، حيث يعلنون – باسم الشعب البريء منهم- أنه “و أمام تقاعس مجلس الأمن المتكرر، فإن الشعب الصحراوي الذي لم يبقى أمامه من خيار سوى مواصلة و تصعيد كفاحه المسلح المشروع للدفاع عن سيادة وطنه…” و يستمر البيان في لغة التهديد إلى أن يقول “عملا بقرارات إعادة النظر في مشاركة الجبهة في العملية السلمية… تعتزم اتخاذ خطوات عملية فيما يتعلق بمشاركتها بالعملية السياسية…”، و قد جرى استخدام عبارات مبهمة لا يفهم منها إذا ما كانت القيادة ستمنع عمل البعثة أم ستنسحب من الموائد المستديرة أم سترفض استقبال المبعوث الأممي الجديد، أم أنها ستبني جدران عالية يفصلها عن العالم…، و هذا منتهى الجبن و الضعف في الفصح عن موقف نهائي واضح.
و تختتم قيادتنا في بيانها الغريب بعد فقرات مبهمة عن ما أسمتها الجهود الحميد للأمم المتحدة، و التي أثمرت وقف إطلاق النار سنة 1991، بتهديد تقول فيه “بأن جبهة البوليساريو تعلن بكل وضوح بأنه لن يكون هناك أي وقف لإطلاق النار جديد…”، و هذا يزيد من سخريتنا و يدفعنا للتهكم أكثر بالقول، لا أظن أن ثمة هدية بعد قرارات مجلس الأمن يمكن أن تفرح العدو المغربي أكثر من هذا البيان الذي عصر فيه قادتنا كل حزنهم، و ارتكبوا في فقراته أخطاءا لا يرتكبها طالب صف دراسة ابتدائي، و جعلوا منه إشهادا ضدهم أنهم أهل فتنة و حروب و ليسوا أهل سلام و أمن، و لا يعرفون قواعد الإشتباك الدبلوماسي و لا يمتلكون روح السياسي التي تتقبل الكبوة و تمتص الصدمة و تنظر بأمل إلى المستقبل…
و أظن مثل جميع الشعب الصحراوي بأن كاتب القرار كان مخمورا لأنه نسي في تهديداته كون قيادتنا بلغت في بياناتها العسكرية رقم 353، دون أن يتمكن جيشنا الشعبي من إحداث خدش في جدار الذل و العار الذي أصبح يلقبه المقاتلين الصحراويين بجدار “ذو القرنين”، و الموجع أن قيادتنا و هي تصيغ بيانها البكائي، تعلم بأن الـ 353 بيانا كلفوا الشعب الصحراوي عشرات الشهداء و الأسرى، فهل تعلم قيادتنا أن بيانها التهديدي لمجلس الأمن الذي تعلن فيه استمرار الدفع بالمقاتلين إلى جبهات النار، أخاف الشعب الصحراوي أكثر و لم يصل صداه إلى المحتل المغربي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك