فرنسا تمارس مزيدا من الضغط على الجزائر عبر قرارها تسليم الرباط الرأس المدبر للهجوم الإرهابي ضد فندق ”أطلس آسني” سنة 1994
بـقـلـم : بن بطوش
في واحدة من قصص الكفاح، كان “شاو لينج لي” المواطن الصيني يعاني من قلة التوفيق و ضعف الحظ في كل خطواته…، أمضى 30 سنة يحاول الهجرة لأمريكا لكن جميع الطلبات رفضت له، و أخفق في 15 اختبار من أجل الهجرة لكندا، و رفضته القوات البحرية الصينية كمجند، و تقدم لامتحان في شركة برمجيات رفقة 124 مترشح، قبل منهم 122 و رفض اثنان كان هو أحدهما، و قدم رفقة 21 شخصا طلبا للتوظيف في سلك الشرطة الصينية فقبل 20 شخص و كان الوحيد الذي تم رفضه …، لم ييأس و كافح من أجل أن يحظى بفرصته، ليقرر دخول عالم التسويق الرقمي و إنشاء متجر إلكتروني، و لكي يحصل على التمويل لفكرته، باع حلي زوجته و دعم ما حصل عليه بقرض بنكي، و بعد عناء طويل فشل الموقع بسبب جائحة “كورونا” و هو اليوم بالسجن و لا يؤمن أن ثمة نوع من البشر حظهم من الدنيا هو الفشل…
آسف أيها القارئ الكريم، أعلم أنك كنت تنتظر أن أسرد عليك قصة كفاح تنتهي فيها المحاولات بِبَرِّ النجاح و التتويج…، لكن في قضيتنا الصحراوية، كل ما نستطيع أن نقيس به الحال الذي إنتهت إليه مغامرة أهالينا في أرض اللجوء، هي قصة كارثية تشبهها في كل شيء، بدءا من الخيارات الخاطئة و اللادينية كإيديولوجية و فكر لثورتنا الصحراوية، مرورا بوجع الفراق و البعاد عن تراب و هواء الوطن و الاحتماء بنظام حليف لا خير فيه حتى لشعبه، و انتهاء بالواقع الحالي المر و الفشل الأعظم بعدما أحكم المحتل المغربي قبضته على الصحراء الغربية و يكاد يغلق ملفها دوليا …، و كل ما بقي لنا كشعب و قيادة و مشروع وطني …، هو الحق في الصراخ على وسائل التواصل الاجتماعي و القنوات الحوارية التلفزية التي تغذي شعبيتها من نكأ جراحنا كشعب أخلف الموعد مع كل شيء.
فقد نشرت صحيفة “لاراثون” الاسبانية أن السلطات الفرنسية قد أبلغت نظيرتها الجزائرية في وقت سابق من هذا الأسبوع قرارها تسليم الجزائري “عبد الإله زياد” للمغرب، و الذي يعتبر المتهم الأول في التدبير و التخطيط للهجوم الإرهابي الذي استهدف فندق ” أطلس آسني” بمراكش سنة 1994، و أضافت الصحيفة الإسبانية أن السلطات الفرنسية تستعد لطرد ” عبد الإله زياد “، ضابط المخابرات الجزائري و العلبة السوداء في تلك الاعتداءات و المتورط في عدة جرائم خلال العشرية السوداء بالجزائر، و الذي كان ينوي نقل أحداث إرهابية إلى مدن مغربية، و كان قد حكم عليه القضاء الفرنسي بالسجن ثماني سنوات وأمر بطرده، على خلفية تورطه في أعمال إرهابية.
ما يهمنا نحن كشعب صحراوي ليس تبرئة النظام الجزائري و الدفاع عنه لأنه في غنى عن ذلك، و إن كانت الأدلة و الحجج تورط النظام الجزائري السابق…، بل ما يهمنا هو التوقيت الذي صدر فيه القرار بترحيل هذا الإرهابي، و الذي يصادف واحدة من أعقد الأزمات الباريسية – الجزائرية، ثم الجهة التي ستتسلم هذا الأخير، مما يفرض علينا البحث عن الأسباب التي جعلت فرنسا تسلم ضابط مخابرات جزائري للرباط، و بالتالي وضع العلبة السوداء لجهاز DRS الجزائري بين يدي عدو الجزائر الأول، رغم أن باريس على إطلاع بتفاصيل الأزمة بين الرباط و الجزائر، و التي تسير بشكل جنوني نحو الصدام بكل أشكاله…، ثم لماذا لم تسلمه فرنسا للجزائر أم أن ثمة ما يجب فهمه و شرحه…؟!!!
في الحقيقة أن فرنسا عرضت على الجزائر تسليمها الإرهابي ” عبد الإله زياد “، و كان هذا الطلب هو الشرارة الأولى لبداية الأزمة بين باريس و الجزائر، حيث رفضت الجزائر تسلمه، حتى لا يكون الأمر اعترافا بأن الجزائر وراء أحداث الهجوم الإرهابي الذي حصل في مدينة مراكش، و طالبت الجزائر من فرنسا أن تعيد محاكمته لأن تهمة التخطيط للإرهاب عقوبتها ليست ثماني سنوات بل أكثر من 20 سنة، لكن فرنسا رفضت و ضغطت على الجزائر لتتسلم الإرهابي و قالت عبر قنواتها الدبلوماسية أن اعترف بانتمائه لجهاز المخابرات الجزائرية، و يمتلك وثائق إثبات ذلك، لكن النظام الجزائري أصر على رفضه و التنكر له.
بعد تعنت النظام الجزائري و خوفه من إثبات أن الجريمة هي من تدبير الغرف المظلمة في تكنة “بن عكنون”، وجهت باريس طلبا للرباط من أجل تسلم ” عبد الإله زياد “، و الذي أنهى عقوبته الحبسية في فرنسا و سينفذ في حقه حكم الطرد، الشيء الذي رحبت به الرباط و التي من المنتظر أن تعيد التحقيق معه و حتى محاكمته، لكن الجزائر تفاجأت بقرار فرنسا تسليم ” عبد الإله زياد ” للرباط، و هذا زاد من جنون و غضب قصر المرادية الذي كان يظن أن فرنسا برفض الجزائر تسلم الإرهابي، سترضخ للأمر الواقع، و قد تجبره على الإقامة المشروطة أو تمدد فترة اعتقاله إلى حين أن تنسى قضيته إعلاميا و تهدأ الأزمة بين الدولتين، كي تدخل الجزائر في مفاوضات هادئة و صامتة مع باريس و ترحله سرا و بهوية جديدة، أو تنتظر إطلاق سراحه كي يجري تصفيته في شقة بضواحي باريس دون أن يعلم أحد بالأمر.
و كما جاء في بداية المقال أن سوء تخطيط الجزائر هو السبب وراء النكسات الكارثية لهذا البلد، و أن ذات العقلية كانت سببا في نكبة الكركرات التي حصدنا منها خيبة الرجاء، فالحليف لم يتوقع أن تفعل باريس أحد بنود اتفاقيات تبادل المجرمين و تسلم الرباط ” عبد الإله زياد “، على اعتبار أنه وراء جريمة “أطلس أسني”، و بالتالي لم ترفض الرباط الأمر و اعتبرته هدية باريسية غالية القيمة، و ستكفيها شهادته لإدانة قصر المرادية، و قد نشاهده في وثائقيات مستقبلية يقدم شهادته للتاريخ، لأنه الخيط الرابط بين جنرالات جهاز DRS و الأحداث الإرهابية التي هزت مدينة مراكش في 24 غشت 1994، و هذا ما زاد من الشرخ بين الجزائر و باريس، خصوصا و أن تسليم باريس لهذا الإرهابي إلى الرباط قابله غضب كبير من الدبلوماسية الجزائرية التي حاولت بكل ثقلها التدخل لمنع حصول الأمر، لدرجة أن هناك تسريبات دبلوماسية جزائرية تقول أن وفدا جزائريا، ترأسه المستشار الأمني للرئيس الجزائري انتقل إلى باريس قبل أسبوعين من اليوم، من أجل مفاوضة باريس في شأن تسلم ” عبد الإله زياد ” و تشترط لحصول ذلك ثلاثة أمور؛ أولها السرية التامة و عدم تسريب الخبر لوسائل الإعلام، و ثانيها أن يتم تسليم “فرحات مهني”، رئيس حركة تحرير منطقة لقبايل معه للجزائر بناءا على مذكرة اعتقال جزائرية، و ثالثها منع إيقاف صدور كتاب “ربيع الإرهاب في الجزائر”، و هي الشروط التي رفضتها باريس جملة و تفصيلا.
لهذا كله، فتوتر العلاقات الباريسية – الجزائرية، لم يجني منه قصر المرادية غير الأوجاع، و يصب في مصلحة الرباط التي تعتبر المستفيد الأكبر من غضب باريس على قصر المرادية، و فتحها أرشيف الذاكرة الجزائرية، و إخراج وثائق تثبت أحقية الرباط في مناطق مثل تندوف و بشار و القنادسة…، و تؤكد أن الجزائر كانت مجرد شريط ساحلي عثماني لا تتعدى مساحته الـ 500 ألف كلم مربع، و هذا يؤثر مباشرة على قضيتنا الصحراوية و يزيد من تعزيز الحجج التاريخية المضرة بملفنا.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك