بـقـلـم : بن بطوش
تقول قصتنا لهذا المقال أن لجنة الأخلاقيات داخل الإتحاد الكروي الإفريقي استدعت اللاعب الغابوني “كيلور كانغا” من أجل الوقوف أمامها بعدما تم اكتشاف تناقض مهول و صارخ في أوراقه التبوثية، و التي جاء فيها بأن تاريخ ميلاده كان سنة 1990، بينما والدته توفيت سنة 1986، و بنفس ذهول لجنة الأخلاقيات أيها القارئ الكريم نتساءل كيف لرئيس دولة مثل الجزائر أن يتورط في خطأ تاريخي بحجم الجبال، و يقول أن الجزائر التي تأسست سنة 1962 كانت ثاني دولة اعترفت بأمريكا في العالم، مع العلم أن أمريكا تأسست سنة 1776، و حاول الدفاع عن هذه الورطة التاريخية بفرية أعظم و أشد، حيث قال أن “الأمير عبد القادر” الذي ازداد سنة 1808، تلقى هدايا هي عبارة عن “كوابيس” (مسدسين) تعرض في أحد متاحف البلاد، من الرئيس الأمريكي “جورج واشنطن” و الذي توفي سنة 1799… !!!
الذين وفروا للرئيس الجزائري هذه المعلومات، كانت غايتهم توريط البلاد في حالة الشك التاريخي التي زاد حجمها في رحلة البحث عن الهوية التي يقوم بها “لعمامرة” بعد السيلفي الأخير له مع قبر الملك الأمازيغي “يوغرطة” في إيطاليا، و الشك التاريخي هو أخطر شعور يزعزع ثقة المواطن، أولئك الذين أفتوا على “تبون” بقول هذه المغالطات هم نفسهم الأشخاص الذين ورطوا وزير الرياضة الجزائري بصور ملعب الشهيد “تشاكير” بعد تعديلها رقميا، و هم نفس الجهات التي دفعت الرعاع لإحراق الشاب “جمال”، و هم نفس الجهات التي أشعلت لقبايل من أجل خلق حرب أهلية، و هم نفس الجهات التي أوقفت استيراد المواد الأساسية و تسببت في طوابير العدس و السميد و الحليب… لقهر المواطن و معاقبته على عزوفه عن التصويت، و هم نفس الجهات التي تعارض بناء السدود الكبيرة لتوسيع رقعة العطش في البلاد، و هم نفس الجهات الذين يكنزون أموالهم في بيوتهم و تسببوا في أزمة السيولة…، و هم نفس الجهات التي أفشلت مشاريع صناعة السيارات و أغلقت مصانع الصلب…، و هي نفس الجهات التي تدفع بالرئيس الجزائري صباح مساء لأن يتحول إلى مادة للضحك و للصراخ بأن الجزائر قوة ضاربة.
و الملاحظ في خطاب الرئيس الجزائري هو التحوُّر الذي أصاب لغة خطابه، حيث يمكن رصد الإختلاف – للمرة الأولى – سواء مع الصحفيين أو في كلمته الموجهة للأمة و الأطر بهذا البلد الكريم، بتنازله عن تكرار ذكر التفوق الجزائري، و عدم الحديث عن عظمة و قوة الدولة الجزائرية، و التخلي عن عبارات القوة الضاربة و الدولة القارة و الأمة العظيمة و أن فرنسا تحسب للجزائر ألف حساب، و أن فرنسا لا تخيف النظام الجزائري…، و اكتفاء الرئيس باستخدام أرقام الشهداء في سياقين الأول لأجل التفاخر بالهلوكوست المروع الذي عاشه الجزائريون، و الثاني لأجل لوم فرنسا و معاتبتها بكل رقة عن فضاعاتها.
ما يهمنا في حوار الرئيس الجزائري هو الشق المتعلق بالقضية الصحراوية و العلاقات مع العدو المغربي، و القوى الدولية خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية و جديد “الاعتراف الأمريكي”، الذي حيرنا و قوض أمانينا و جعلنا لا نؤمن بالحلول الأممية و لو على المدى المنظور…، ذلك لأن الرئيس الجزائري قد قدم إشارات ودية للولايات المتحدة الأمريكية، و خلال حديثة عن هذه الدولة كشف لنا بصوت خافت عكس النبرة الحادة التي تحدث بها في قضية الخلاف مع الرباط و مع فرنسا، تلك الإشارات تعري جانبا مما حصل خلال اللقاء الذي جمع بين الثلاث؛ الرئيس الجزائري و قائد الجيش الجزائري و قائد قوات “الأفريكوم” في إفريقيا.
و قال الرئيس “تبون” خلال الحوار الصحفي أن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة صديقة للجزائر، و أن النظام الجزائري عدو بعض “النظريات” و ليس عدو الولايات المتحدة الأمريكية، و أضاف أن الجزائر لن تمنح موقع قدم لأي دولة سواء كانت روسيا أو غيرها، و هذا كلام خطير، لأن العالم بمن فيهم سفارة أمريكا في الجزائر…، يعرفون بأن الروس لديهم قاعدة بحرية في وهران، و أن الصينيين و الأتراك يتدارسون إقامة قواعد في الجزائر، لكنه هنا أجاب على تحذيرات أمريكية وجهها قائد “الأفريكوم” إلى النظام الجزائري، من أجل طمأنته بأن قوات مرتزقة “الفاغنر” لن تمنح لهم قاعدة فوق التراب الجزائري، و هذا سر وقف المحتل المغربي للرحلات المباشرة مع روسيا، لأن المعلومات المتوفرة و التي يصعب تأكيدها تقول بأن مرتزقة “الفاغنر” عوضت قوات “حزب الله” من أجل إسقاط شبهة الإرهاب عن الجيش الصحراوي بعد مقتل “أبو الوليد الصحراوي”، و علاقة الأمر بمقتل السائقين المغربيين بمالي، و أن أفراد “الفاغنر” يتواجدون في المخيمات لتدريب مقاتلي الجيش الصحراوي على حروب العصابات الحديثة، بينما قوات جزائرية تتواجد في روسيا للتدرب على استخدام تكنولوجيا روسية لإسقاط الدرونات المتطورة، و أن الفيلق الجزائري سيلتحق بجبهة القتال لدعم بيانات الأقصاف و الدك.
الإشارة الثانية في حوار “تبون” مع الصحفيين هو جوابه على سؤال خفض فرنسا للتأشيرات الممنوحة للجزائرية على غرار باقي دول شمال إفريقيا، و الذي قال فيها أن ذلك الإجراء هو شأن فرنسي محض، و هو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل لماذا تم استدعاء السفير الفرنسي و التسبب في أزمة مع باريس…؟ !!، و لماذا هذه الخطوة إلى الوراء من الرئيس الجزائري؟، ثم جوابه على سؤال الذاكرة الجزائرية و الإهانة التي وجهها “ماكرون” للشعب الجزائري، حيث علق على إمكانية عودة السفير الجزائري إلى باريس بأنها مشروطة بالاحترام … فقط، و لم يعد الرئيس الجزائري يطالب بالاعتذار الفرنسي و لا بالاعتراف بالجرائم البشعة التي ارتكبتها فرنسا في مدن و قرى الجزائر…، و كان الرأي العام الجزائري ينتظر قرارات قوية جزائرية، ردا على تطاول “ماكرون” و صونا لكرامة الإنسان الجزائري، بقطع العلاقات معها نهائيا، و تجميد عمل شركاتها.
الإشارة الأخيرة التي التقطناها في هذا المقال، و تتعلق بقضية أمكانية الصدام العسكري مع الرباط، حيث حاول عدد من النشطاء و المحللين تقديم ما قاله “تبون” على أنه إعلان حرب على المغرب، لكن ما قاله “تبون” ليس غير صك ضمان بأن الجزائر لا تنوي التورط في حرب و إن كانت قادرة عليها، حيث قال: “نحن لا نعتدي و لكن من يبحث عنا سيجدنا و إن بدأت الحرب فلن تنتهي و لن نتوقف، و نحن نعرف قيمة الحرب و البارود…”، و هي رسالة واضحة للرباط بأن الجزائر لن تبادر بالحرب أبدا، و أن التوتر سيظل محصورا في التراشق الإعلامي و القرارات السيادية، و الذي تابع خطاب “تبون” يتضح له أن البلاد الجزائرية داخليا تعاني بشكل حاد على المستوى الشعبي و على المستوى الاقتصادي و أنها غير جاهزة لأي احتمال عسكري قد يتسبب في انهيار البلاد.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك