بـقـلـم : بن بطوش
لا تزال الحرب العالمية الثالثة بين الصين و الولايات المتحدة الأمريكية قائمة و لا يبدو أنها ستضع أوزارها قريبا…، و لا يزال القطبان يدهشان العالم بهذا الجيل من الحروب الذي لا تطلق فيه رصاصة واحدة، و يتسبب في خسائر بملايير الدولارات…، و بينما يجتمع “مارك زوكربيرغ” مع كبار السياسيين الأمريكيين من أجل تقييم خسائر شركات “فايسبوك” و “واتساب” و “أنستغرام”، تسارع قنوات الصين إلى تقديم الطفل “سن جو سو”، صاحب السنوات الـ 13، كقرصان زلت فأرته بعبقرية وسط العالم الرقمي الشاسع، و تعثرت بمصفوفة أمنية لتتسبب في إسقاط خوادم الشركتين العملاقتين، مع العلم أن خوادم “واتساب”و “فايسبوك” – حسب ما أعلنه خبراء الأمن السيبيراني- تم تصميمهم لتحمل نصف مليار هجوم إلكتروني…، و أن إسقاط الخوادم و اختراقها يحتاج إلى هجوم إلكتروني معقد و خرافي…، تخيلوا حجم التكنولوجيا التي تشتبك بها الدولتين إلكترونيا، بينما قادة جيشنا الشعبي على جدار النار لا زالوا يؤمنون بأن شيخ الراجمات “غراد” و العجوزة T.52…، و بيانات الدك و الأقصاف، مشفوعين بحكم قضائي انتقامي من محكمة التكتل الأوروبي القديم… سيكفوننا لننتصر في سنة 2021 على محتل تجهز لكل أصناف الحروب… !!!
نعود أيها القارئ الكريم لننظر في ما خلفته تصريحات الرئيس الفرنسي، “إمانويل ماكرون”، على المستويين السياسي و الشعبي في دولة الحليف الجزائري، ثم على مستوى القضية الصحراوية…، و نقيم ردة الفعل الجزائرية تجاه الدولة الفرنسية بكل رموزها و نجيب على التساؤل الذي يطرحه عديد النشطاء في الجزائر، هل تكفي ردة الفعل بسحب السفير و إغلاق الأجواء على الطائرات العسكرية الفرنسية لتعيد الاعتبار للشعب الجزائري الذي أحس بمرارة تلك التصريحات القدحية و المهينة لذاكرة المجاهدين ؟ و هل هي امتداد لتصريحات “الأخضر الإبراهيمي” و ما خلفته من أضرار نفسية و عاطفية على الجزائريين الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة و أن وطنهم مستهدف من قوى خارجية ؟
في البداية نحاول رفع بعض اللبس الذي يتم الترويج له على وسائل التواصل الاجتماعي، و أيضا عبر بعض المحللين الذين يُفتون في النوازل بين الدول بناء على معطيات غير مكتملة أو غير متأكد منها، إذ ينسب بعض الجزائريين من المهجر، أسباب الأزمة إلى تعاقد الرئيس المالي مع مرتزقة “الفاكنر” بدعم جزائري، فيما الواقع يقول أن الجيش الفرنسي هو من رفض تجديد عقد حماية الرئيس المالي، بدعوى أن فرنسا تنوي الانسحاب من دولة مالي، و أن الرئيس المالي تعاقد مع شركة “فاكنر” منذ أشهر، حتى قبل وصول “لعمامرة” إلى الخارجية الجزائرية، و تأخر الانسحاب الفرنسي يعزى إلى الأحداث الإرهابية الأخيرة التي أودت بحياة سائقين مغربيين و تجددت باستهداف شاحنات أخرى بعد أسبوع من الحادث، و أن السلطات المالية حاولت التعاقد مع شركات أوروبية لكن لم تتمكن من ذلك، و في النهاية قررت التعاقد مع شركة مرتزقة “فاكنر”، لكل هذا فأسباب الأزمة بين فرنسا و الجزائر لا تتعلق بالوضع في مالي، بل بما يجري من تقسيم للكعكة في ليبيا، و محاولة إبعاد الشركات الفرنسية من طرف الدبلوماسية الجزائرية، و تفجر الوضع بعد استدعاء “لعمامرة” للسفير الفرنسي عقب تخفيض السلطات الفرنسية لعدد التأشيرات الممنوحة لدول شمال إفريقيا، و رد الرباط على لسان وزير خارجيتها، فيما حاولت الجزائر إظهار قوة أكبر من الرباط و إثبات أنها قوة ضاربة و إستراتيجية، فتورطت في سلوك دبلوماسي مهين لباريس، تلاه استعراض غير مبرر للقوة البحرية.
نصل الآن لقراءة تصريحات الرئيس “ماكرون”، و لماذا هي في غاية الخطورة، ذلك أن كلامه أعاد للحياة خطاب فرنسي قديم يعود إلى زمن الرئيس “دوغول”، يجري تجديده من طرف الدولة الأمنية الفرنسية، و اعتماده لصناعة بطاقة هوية حديثة للدولة و الشعب الجزائريين، تعترف بأن الدولة الجزائرية هي ثمرة الاستعمار الفرنسي، و أنها بدون جذور تاريخية، و أنها دولة هجينة بناها المرتزقة و ليس الثوار الجزائريين، بل الأكثر خطورة من التصريحات، هو تسريب وثائق يكشف عنها للمرة الأولى، و منها وثيقة تشير إلى شراء النظام الفرنسي للإيالة العثمانية (“الجزائر”) من الحكم المركزي العثماني، و وثيقة ثانية تخص الماريشال الحاكم للجزائر، و الذي طالب الإدارة الفرنسية المركزية بإطلاق تسمية الجزائر على مستعمرتها الجديدة و اعتماد هذا الاسم في جميع المراسلات الرسمية، ثم وثيقة ثالثة أشد خطورة تحصر منطقة مستعمرة الجزائر التابعة لباريس، في شريط ساحلي ضيق، أي أنه عندما دخلت فرنسا لم تكن هناك جزائر بل كانت فقط إيالة عثمانية تمتد على شريط ساحلي، و أن الفرنسيين لم يحصلوا عليها بالسطو المسلح بل اشتروها نقدا من إسطنبول.
هذه الوثائق التي كان النظام الجزائري – في وقت سابق- قد طالب النظام الفرنسي بعدم فتحها للباحثين و عدم وضعها رهن إشارة العموم، سواء من الأكاديميين أو فضوليي التاريخ، تؤكد أن النظام الجزائري كان يعلم مدى خطورتها القانونية، لأنها تجعل الحليف الجزائري في موقف محرج لسببين؛ الأول أن دفاع الجزائر عن الحدود الموروثة عن الاستعمار سببه أن الجزائر لم تكن قبل الاستعمار كيانا و لا دولة قائمة الأركان، بل مجرد امتداد عثماني مفكك يقع بين ظفري حضارتين كبيرتين الأولى في تونس و الثانية في الرباط، و أن هذا الامتداد العثماني كان أيضا استعمارا، و خلف أثار نفسية و اجتماعية سيئة على سكان المنطقة، و الثانية يمنح دول الجوار الجزائري كتونس و ليبيا و مالي و المغرب، حق المطالبة بالأراضي التاريخية التي اقتطعها الاستعمار الفرنسي من أوطانهم و ضمها للجزائر، حينما كانت فرنسا تعتقد بأن الجزائر ستظل مقاطعة فرنسية إلى الأبد.
لكن الركن الأشد خطورة في التصريحات هو قول الرئيس الفرنسي: “أنا شخصيا كان لي حوار جيد مع الرئيس تبون، لكنني أرى أنه عالق داخل نظام صعب للغاية”، و هذا التعبير الدقيق لوصف وضعية الرئيس الجزائري تحيلنا على ثلاثة قراءات؛ الأولى كون فرنسا تعرف جيدا الوضع الداخلي لمطبخ الحكم الجزائري و على إطّلاع بكل شاردة و واردة في قصر المرادية، و لها ما يؤكد أن “تبون” محاصر و لا إرادة له و يستخدمه الجيش لمخاطبة و ابتزاز الدول، و أن الرئيس الحقيقي للبلاد هو “سعيد شنقريحة”، و الثانية أن الرئيس “تبون” في لقائه السابق مع “ماكرون” كان قد اعترف للأخير أنه فقط متورط في حكم الجزائر دون رغبته و أن لا إرادة له، و الثالثة أن فرنسا أصبحت لا تستطيع تحمل المزيد من تصرفات الدولة العسكرية الجزائرية، و أن هذا التصريح هو بمثابة قرصة أذن، و فرنسا لها كل الأدلة التي تثبت هذا القول و لن تعتذر أبدا للجزائريين و النظام الجزائري ما دام العسكر من يدير دواليب البلاد.
من دون الحاجة إلى تحاليل عالية الدقة و فهم عميق لوجوه الأزمة بين جزائر “شنقريحة” و فرنسا “ماكرون”، نقول أن القضية الصحراوية تأثرت كثيرا بسبب تصريحات الرئيس الفرنسي التي أثارت ضجة كبيرة، و الدليل أنه للمرة الأولى التي تستضيف فيها قناة “فرانس 24” منتخبا من الأراضي المحتلة، و تعتبره من “الأقاليم الجنوبية للمملكة” لتسأله عن الديمقراطية التي ينعمون بها و مستوى الرفاهية التي يوفرها لهم المغرب، و هذا يمنحنا صورة مسبقة عما ينتظرنا بالأمم المتحدة خلال شهر أكتوبر، و ربما نحصد حزنا جديدا أكثر إيلاما من كل سابقيه.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك