جريدة ”لاراثون” تكشف جانبا من السيرة الذاتية للأخ القائد ”إبراهيم غالي” و نشطاء صحراويون يتساءلون : هل كان خائنا…!!؟
بـقـلـم : بن بطوش
في حادث عنصري لطالب سوداني بإحدى الجامعات البريطانية العريقة، و بينما هو يناقش رسالة الدكتوراه، قاطعه المشرف على بحثه قائلا: “أنا غير مقتنع برسالتك و موضوعها…”، فرد عليه الطالب السوداني: “أنت لم تقتنع حتى برسالة محمد و هي من السماء، فكيف تقتنع برسالتي و أنا من الخرطوم…؟”، هذا الحادث العنصري لا يرتبط بموضوعنا في شيء، و لكنني بسطته بين القراء الكرام، لعلي ألمس منهم ثبات الأفئدة و أنا أفتح ركن البشاشة فيه، قبل أن آخذهم في جولة حول الأحداث الكبرى التي تنخلع لهول قسوتها و شدة وجعها القلوب…، إن نحن بلغنا منزلة الفهم فيها، أقدم لك أيها القارئ الكريم ما ينفس الكرب قبل أن ننزل ضيوفا ثقالا على القصة الجديدة للأخ “بن بطوش”.
أولى تلك الكروب ما سربته صحيفة “لاراثون” المقربة من الأجهزة السرية لدولة إسبانيا و نشرها لوثيقة تثبت أن الأخ “إبراهيم غالي” لا يملك اسمين فقط، فعلاوة على أنه دخل إسبانيا بجواز مزور و بهوية “محمد بن بطوش”، و ما تلا الأمر من فضائح و أزمات، فقد كشفت الصحيفة الإسبانية أن له اسما ثالثا و هو الأقدم بينهم و يعود إلى الهوية التي كانت للأخ القائد خلال فترة احتلال إسبانيا للصحراء الغربية، و المدون في سجلات الشرطة هو “غالي مصطفى سيدي مو ولد سيدي الشيخ”…، و أنه كان يشتغل عام 1960 كمرشد للأجهزة الأمنية الإسبانية تحت رقم 8360 ببطاقة هوية عدد B-7248055، و نحن الوحيدون في الإعلام الصحراوي الذين سبق و قلنا أن في المخيمات فقط يمكن للقاتل أن ينعم بالحرية و الجرأة و قد تقوده الأقدار ليصبح قاضيا، و في المخيمات فقط يمكن للخائن أن ينتخب بالإجماع حاكما على رقابنا، و اليوم نكتشف أن الأخ القائد كان عميلا لدى الأجهزة الأمنية الإسبانية.
بعد انتشار صورة الوثيقة التي أخرجت من الأرشيف الغابر للأجهزة السرية الإسبانية، كان أول ما يجب علينا فهمه هو صدق الوثيقة و أسباب تسريبها و الجهة المسؤولة عن ذلك و الغاية التي يراد أن يخدمها هذا التسريب…، لأن الأمر بغاية الخطورة و يحتاج منا الكثير من التأني في وضع القراءات، و لأجل فهم درجات الحساسية، لهذا فإننا مضطرون لتقديم مثال غير بعيد و يشبه جدا هذه النازلة….، و يتعلق بالرئيس الجزائري المستقيل “عبد العزيز بوتفليقة” الذي حين قررت فرنسا إسقاطه و دعم الحراك، عمدت إلى تسريب وثيقة تؤكد أن الرجل هو من حرض على الانقلاب ضد “بن بلة” وكان وراء اغتيال الشهيد “كريم بلقاسم”، و كيف حول وزارة الخارجية إلى مزرعة عائلية و نهب ميزانيتها لسنوات، و كيف مارس التخابر لصالح الأجهزة الفرنسية عندما كان الذراع الأيمن لـ “بومدين”، و بعد تسريب وثيقة الأخ القائد يمكن الجزم أن عقيدة الأوروبيين حين يتعلق الأمر بالجزائر و ما يدور في فلك أحلافها.
و كأن الأحداث تكرر نفسها، و الإناء الذي تذوق منه النظام الجزائري مرارة التسريبات، نفسه نرتشف منه اليوم ما يقطع أمعاء اليقين داخلنا، و وصول تلك الوثيقة إلى جريدة “لاراثون” يؤكد أمرا واحدا، أنها وثيقة حقيقية و مسربة لضرب الحكومة الإسبانية و الضغط عليها لتسوية الأزمة مع الرباط في أسرع وقت، و الصحيفة مقربة جدا من الدولة العميقة في إسبانيا، و يمرر عبرها تيار “فرانكو” و أحزاب المعارضة القوية ما يريده من حكومة رئيس الحكومة “سانشيز” و من سبقها، ليبقى السؤال منقسم إلى فرعين؛ الأول هل حصلت الجزائر فعلا على ضمانات من الدولة العميقة في إسبانيا و ليس خارجية أو داخلية حكومة “سانشيز” قبل توريط الأخ “إبراهيم غالي” في رحلة علاجية مسمومة ؟ ثم هل ثمة علاقة بين التسريب و اغتيال المناضل الكبير و الأب الروحي للمقاومة “محمد لبصير” ؟
لا أظن أن أزمة الأخ القائد “إبراهيم غالي” سبق و أن عاشها قائد من قبله، فحتى قادة الحركات الإرهابية و زعماء العصابات لم يعيشوا مثل هذا الإحباط، فبينما نحن ننتظر الجلسة الأولى التي سيمثل خلالها “إبراهيم غالي” أمام القضاء، يكتشف الشعب الصحراوي أن الرجل الذي يحكمهم كان مجرد عميل تابع لجهاز استخبارات أمني إسباني، و أن هذه الحقيقة يصعب العبث بها أو مناورتها، و لها وقع سيئ على نفوسنا، و لأن الرجل كان يحمل جينات النفاق؛ فبالليل يتسلل و يمد الأسبان بمعلومات المجاهدين الصحراويين خلال حرب تحرير الصحراء الغربية…، و في النهار يختبئ مع قادة المقاومة و يجلس بجانبهم و هم يخططون لطعن الاحتلال…، أي أنه كان يأكل مع الذئب و يبكي مع النعاج و اليوم هو رئيس الدولة الصحراوية و حامي بيضة القضية…، تخيل أخي القارئ حجم الفضيحة… !!!
خطورة التسريب تحيلنا مباشرة على فهم السبب الذي جعل إسبانيا ترفض كل طلبات أسرة الشهيد “محمد ابراهيم بصيري” من أجل البحث في أرشيف الدولة الإسبانية عن أسرار ما جرى لقائد انتفاضة “الزملة”، قبل تاريخ 17 يونيو 1970، لأن الوثيقة هي مجرد قطرة في بحر الفضائح العظيم للبيت الأصفر، و الدخول إلى دهاليز الأرشيف الإسباني قد يكشف لنا أسرار اغتيال الشهيد “الوالي مصطفى السيد”، و قد يجرنا لقراءة لوائح طويلة لعملاء إسبانيا و الجزائر و المغرب الذين يرغدون بالرفاهية في الدولة الصحراوية من سكان البيت الأصفر الشاحب، و نحن اليوم نفهم جيدا لماذا إسبانيا لا ترفض طلبات بني جلدتنا في المخيمات، و لماذا تحتضن أبناء قياديينا دون شرط أو قيد، و لما تدعم دبلوماسيينا فوق ترابها، و تفتح بابها على مصراعيه لمناضلينا المخمليين و تذللهم ترصد حقوقييها لدعمهم، و سبب صبر إسبانيا في بداية الأزمة على ضغوط و ابتزاز الرباط، و لماذا تتحمل إسبانيا كل الانتقادات و هي تدعم ثرية النضال “أمينتو حيدر” و لماذا منحت أبناءها الجنسية؟
ما انفردت بنشره صحيفة “لاراثون” يؤكد لنا أن الدولة العميقة في إسبانيا و التي لا تزال تحتفظ بالفكر و أسلوب الحكم الذي وضعه الجنرال “فرانكو”، قررت التخلي عن الأخ القائد، و قررت خفض جناحها أمام المحتل المغربي الذي يبدو أنه أجاد لعبة الترويض و الإخضاع للثور الإسباني الذي احتمى بأوروبا و لم يحصل على الدعم الذي كان يرجوه، فيما الرباط ضمنت حياد “الناتو” و هذا كل ما كانت تحتاجه، فيما أيقن القادة الإسبان بأن الرباط مستعدة لكل الاحتمالات، و أنه لولا تأكدها من التفوق الإستراتيجي ما كانت ليتجرأ على زعزعة استقرار مدريد…
لهذا فالتسريب الذي حصل قبل المحاكمة، يمكن اعتباره شهادة وفاة للأخ القائد الذي ستتدهور أحواله في الأيام القليلة القادمة مع بداية المحاكمة، و قد نسمع قريبا عن الخليفة الذي اختاره الحليف الجزائري و رضي اعتلاءه كرسي الحكم في الرابوني، ليبقى السؤال الأخير كم عدد القادة الذين يمتلكون بطائق عملاء سريين و لا يزالون يمارسون العمالة لصالح الأجهزة السرية للدول المجاورة… فهل يستطيع “البشير مصطفى السيد” أن يشرح لنا أسرار الأمر كما شرح لنا أسرار سلاح “يعني”، أم أنه أيضا يمتلك رقم تصنيف سري و بطاقة عمالة و إسما مزدوجا… فمن يدري… !!!؟.

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك