بقلم : القطامي
في مذكرة رئاسية للحكومة و لمسؤولي المؤسسات الاقتصادية، عبر الرئيس الجزائريّ “عبد المجيد تبون”عن غضبه من تلقيه تقارير كشفت عن إفراط مؤسسات اقتصادية عمومية وخاصة في التعاقد مع “كيانات أجنبية معادية” (في إشارة إلى المغرب)، و يتعلق الأمر بصفقات الشركة الجزائريّة للتأمين “أس أ أ” والشركة الجزائرية للتأمين وإعادة التأمين “كار”، مع شركة مغربية تدعى “أوراس” في مجال البرمجيات، والتي تعادل قيمتها 50 مليار سنتيم جزائريّ، و كذلك تسديد حقوق الصيانة والتحيين التي تعادل 5 مليارات سنتيم سنويا، حيث أمر تبون بفسخ كافة العقود التي وصفها بـ “غير المبررة” للشركات الوطنية مع متعاملين أجانب، في ظرف 10 أيام.
و بهذا الصدد، فالأمر لا يتعلق بشركتي التأمين “أس أ أ” و”لاكار” فقط وإنما بمعظم متعاملي التأمين الناشطين في السوق الجزائريّة والمتعاقدين في مجال البرمجيات مع شركات فرنسيّة ومغربيّة وخليجيّة، وهي العقود التي تحوّلت مع مرور الوقت إلى غطاء لتحويل العملة الصعبة للخارج عبر الفوترة، وتقدر الأموال المحولة سنوياً بعشرات ملايين الدولارات.
تهديدات “تبون” أسفرت عن إقالة المغربي، “عبد الحق المنصور”، المدير التنفيذي لشركة الأمانة للتأمين، الفرع التابع للشركة الوطنية للتأمينات الجزائرية التي تمت تسميتها بالاسم في بلاغ الرئيس الجزائري، وحسب المعطيات المتوفرة فإن إقالة الإطار المغربي، الذي يشغل منصب مدير عام منذ سنة 2019، جاءت خوفا من الملاحقات القضائية الجزائرية للشركة إن هي استمرت في تعاملها مع المغرب وإن بشكل غير رسمي.
و يؤكّد خبراء جزائريون أن القرارات الأخيرة للرئيس الجزائريّ سيكون لها – على المستوى النظري- نتائج إيجابية، لأنّ منح الامتياز للشركات الوطنية والمحلية يظل أكثر من ضرورة للحفاظ على العملة الصعبة، لكن على مستوى الواقع فالمشكلة التي سيواجهها المتعاملون الجزائريون هي غياب مؤسسات وطنية ناشطة في مجال التقييم العلميّ ومكاتب الدراسات الرائدة، كما ينبهون في الوقت ذاته إلى أنّ هذه القرارات يجب أن تطبّق بحذر حتى لا تجد الشركات الوطنيّة الجزائرية نفسها متابعة في المحاكم الدوليّة من طرف الجهات التي يتم فسخ العقود معها، ناهيك على أن هذا الأمر الرئاسي بفسخ عقود اقتصادية سيعطي صورة سلبية عن الشراكة مع الجزائر و بالتالي سيؤثر حتما على مستقبل الاستثمارات الأجنبية بالبلاد.
في المقابل لا يستبعد مراقبون أن يكون قرار الرئيس الجزائري نوعا من الابتزاز السياسي استباقا لرفض المغرب تمديد اتفاقية أنبوب الغاز الجزائري المار عبر التراب المغربي نحو إسبانيا، ما يعني أن الجزائر ستفقد سوق غاز بحجم السوق المغربية، وهي أكبر سوق مستوردة بشمال وغرب أفريقيا كلها، حيث يتوقع المراقبون أن تضغط الجزائر من أجل تجديد الاتفاقية التي تقضي بتزويد المغرب بنحو 640 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، والتي وقعها المغرب والجزائر سنة 2011، لمدة عشر سنوات وستنتهي عمليا في شهر نوفمبر من العام الجاري، خصوصا و أن تقرير لشركة “غلوبل داتا” المتخصصة في تحليل البيانات كشف في مارس الماضي أن “المغرب على وشك إطلاق قدراته الغازية على الرغم من أن البلاد لا تعتبر في الوقت الراهن منتجا رئيسيا ولا تزال تستورد معظم حاجياتها من الغاز. بيد أنها تتوفر على ما يقرب من 700 مليار قدم مكعب من الاحتياطيات الموجودة حسب الاستكشافات المعلنة”.
في سياق متصل سيزيد من تعميق الأزمة الاقتصادية بالجزائر، قررت إسبانيا خلال الشهرين الأخيرين تخفيض وارداتها من الغاز الجزائري وتفضيل الغاز الأمريكي بسبب تراجع الأسعار، و هو القرار الذي ستكون له تبعات على جوانب سياسية هامة منها فقدان الجزائر تأثيرها الجيوسياسي في العلاقات مع هذا البلد الأوروبي وآخرين، حيث كتبت جريدة “الكونفيدينسيال” الإسبانية في مقال بعنوان: “إسبانيا تتخلى عن حنفية الغاز الجزائري بسبب الأسعار الرخيصة للغاز الأمريكي”، قالت فيه أن إسبانيا قد تغير من إستراتيجية واردات الطاقة ومنها الغاز.
و تشكل الجزائر ومنذ عقود المصدر الرئيسي للغاز الذي تستورده إسبانيا من الخارج وكذلك بعض الدول الأوروبية ويوجد أنبوبان لضخ الغاز الأول يعود إلى التسعينيات ويضخ الغاز من الجزائر عبر الأراضي المغربية ثم مضيق جبل طارق فالجنوب الإسباني، والثاني ينطلق من شواطئ غرب الجزائر نحو منطقة ألمرية جنوب هذا البلد الأوروبي.
و منذ شهر مارس الماضي، بدأت الشركات الإسبانية تستورد الغاز من الولايات المتحدة وروسيا عبر السفن لأسعاره الرخيصة، وتعد تكلفة نقله أقل بكثير من الغاز المستورد من الجزائر، حيث أصبحت الولايات المتحدة هي المصدر الأول للغاز لإسبانيا وأزاحت الجزائر التي تحتل هذا المركز منذ أكثر من ثلاثة عقود. وتراجعت أسعار الغاز مثل النفط، بينما الجزائر تحافظ على سعر البيع المتفق عليه إلى إسبانيا دون تخفيض.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك