بـقـلـم : بن بطوش
ثمة مثل إفريقي قديم يقول : “في معركة الأفيال يُسحَق النمل” … !!، و هذا ما حدث داخل مجلس الأمن في صراع التصويت بين روسيا و أمريكا، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، حيث انتهى السجال بسحق بعثة “المينورسو”، و في حال ما تأكد بأن الأمر لا رجعة فيه، فستتحول إلى قصة تراجيدية تُحكى للأجيال القادمة كيف أن النظام المخزني حرّك القطع فوق رقعة الشطرنج الأممي بدهاء، و أخرج “المينورسو” من المنطقة و فرض علينا كشعب صحراوي التصفيق له و الدمع في أعيننا؛ إذ أن تجميع المعطيات يؤكد بأن السيناريو كان مكتوبا و محبوكا منذ البداية؛ إذ حينما عرضت أمريكا، باعتبارها حامل القلم، خطتها للسلام في ملف الصحراء الغربية، و هي الخطة المكوَّنة من 14 بندا موزّعة على ثلاثة محاور، و جل تلك المحاور تكرس أن لا حل خارج إطار مقترح الحكم الذاتي الذي اقترحه المحتل المغربي، و تفرض على حليفنا الجزائري و قيادتنا إحصاء سكان المخيمات في أجل لا يتعدى ستة اشهر، و تقترح توصية لتغيير مهمة المينورسو من رعاية وقف إطلاق النار و تنظيم الاستفتاء إلى التتبع السياسي للإجراءات المرتبطة بتنزيل الحل السياسي…، فثارت ثائرة النظام الجزائري و القيادة الصحراوية و حشدا ما استطاعاه لإقناع “الدب الروسي” كي يشهر “الفيتو” و يمنع تغيير مهمة البعثة، فلم يُخيِّب القيصر “بوتين” الظن، و حقق لهما ما أرادوه، و عارض القرار و إستخدم المندوب الروسي حق النقض، و وضع مقترحا بديلا على مقاس قيادتنا بالرابوني و قصر المرادية يسمح بإعادة الوضع إلى ما قبل القرار 2797.
غير أن روسيا لم تجتهد لحشد التأييد لمقترحها و حتى الحليف الجزائري لم يقم بجولات مكوكية بين العواصم لجمع المواقف الداعمة لخريطة الطريق الروسية، و النِصاب يقتضي أن يحصل أي مقترح بمجلس الأمن على 9 أصوات كي يُمرّر، و رغم ضعف التأييد للمقترح الروسي الذي لم يتعدى ثلاثة (روسيا، الصين و الصومال)، فأمريكا لم تكتفي بالاصطفام مع الممتنعين بل أجهزت عليه بإشهار “الفيتو” (و أظنها المرة الأولى في تاريخ مجلس الامن الذي يرفع فيه “الفيتو” مرتين في نفس اليوم)…، و ذلك قبل يوم واحد فقط من إنتهاء مهمة “المينورسو” رسميا، و التي تحتاج كي تتجدد مهامها بشكل قانوني إلى التصويت بتحقيق النصاب على أحد المشروعين (الروسي أو الأمريكي)…
لهذا و إبتداءا من الدقيقة الأولى بعد منتصف الليل ليوم الأحد 01 نوفمبر 2026، سيصبح تواجد بعثة “المينورسو” في الصحراء الغربية غير قانوني و يستوجب رحيل أفرادها، بعد فشل مجلس الأمن في تجديد مهمتها خلال جلسة التصويت، ليكون السؤال الأشد علينا كصحراويين مصابين بصدمة الحقيقة و تائهين بين التأويلات : هل الفيتو الروسي كان رصاصة في الهواء للضغط على أمريكا في ملف الصحراء الغربية…؟، أم أنه كان طلقة مدروسة توافقت فيها رغبات الجزائر و قيادتنا الصحراوية و تعارضت فيها موسكو مع واشنطن لتحقيق أكبر أمنيات الرباط باجتثاث “المينورسو” نهائيا من المنطقة و إنهاء مهامها بطريقة لا يتحمل فيها أي طرف عواقب هذا القرار… !!؟
تبدو الأمور كلعبة ذكاء شديدة التعقيد في إطار دبلوماسي يكشف عن جيل متقدم من الحلول غير التقليدية، و التي لم تألفها الصراعات التي أحد أطرافها من دول العالم الثالث؛ فحينما أشهرت موسكو حق النقض ظننا جميعا أن الروس يشعلون لنا شمعة في عتمة الظلام الدولي الذي لا يمكن كشف عوالمه إلا بأعين أمريكا و لا تُسمع همهمات الفاعلين فيه إلأ بأذني أمريكا، و اعتبرناها كصحراويين شجاعة روسية ستصحح كل التهاون الروسي الذي جعل حالنا البائس كما نحن اليوم في مجلس الأمن…، لنكتشف بعد ساعة واحدة من التصويت أن ما أشعلته روسيا لم يكن شمعة، بل كانا نارا أضرمتها في البعثة الأممية… و حتى نفهم ما جرى سنعود خطوة إلى الوراء لنُعيد تجميع قطع الأحداث، كي نصنع المشهد النهائي، بدءا من تصويت الرباط داخل اللجنة الرابعة و حصول الجزائر على موقع قدم في النيجر…، مرورا بصفقات التسليح الضخمة التي عقدتها الرباط…، وصولا إلى بيان القصر المغربي الذي أعلن إنتهاء مهمة “المينورسو” في الصحراء الغربية حتى قبل أن يُعلِن ذلك مجلس الأمن.
فحينما صوتت الرباط – قبل أسبوعين– في اللجنة الرابعة، إرتبكنا جميعا في وضع قراءة للتصويت، بل اندمجنا في فوضى البروباغندا الجزائرية برقصات الفرح بالنصر، قبل أن نحصل على الصيغة النهائية للنص الذي تم التصويت عليه، الذي كان بمثابة السم في العسل، و الذي يقول بأن اللجنة الرابعة ستعتمد القرار 2797 بإقتراح من أمريكا و بتقديم من السينغال، كأرضية لمناقشة ملف الصحراء الغربية في إطار تصفية الإستعمار بإعتماد مخطط الحكم الذاتي…، و الرباط بهذا المشروع كانت تخطط مع حلفاءها بأن تنهي مهام “المينورسو” و ليس لتُغير مهامها، حتى تفرض على مجلس الأمن شطب قضية الصحراء الغربية من الجداول المعروضة للتصويت شهري أبريل و أكتوبر من كل سنة، و تحصر مناقشة الملف في اللجنة الرابعة فقط، على إعتبار أن مجلس الأمن يعتمد على تقارير “المينورسو” و على إحاطات المبعوث الأممي المكلف بالملف، و عدم وجود البعثة يفرض وقف النقاشات بخصوص الملف، إلا إذا ما تم إعتماد توافق جديد مبني على تقارير الرباط التي تدير الإقليم.
و بعد تشكيل الحكومة في الرباط، تم التعجيل بالتصويت على مشروع المالية الذي يرفع ميزانية الجيش المغربي من 13 مليار دولار أمريكي إلى 19.5 مليار دولار، و هي المرة الأولى في تاريخ الحكومات المغربية التي يتم فيها التعجيل بمشروع الميزانية قبل جميع المشاريع… !!، وسط حديث عن حصول الرباط على صفقات لتصنيع العتاد و صفقات سيتم الكشف عنها عند زيارة الرئيس الأمريكي، و هو الأمر الذي يشرح إستعداد الجيش المغربي بشكل مسبق من أجل الخروج إلى المنطقة التي كانت تعتبرها قيادتنا أراضي محررة، و إحتمال حصول إشتباكات مسلحة مع الجيشين الصحراوي و الجزائري، قد تتحول إلى حرب طاحنة… مما يعني أن المحتل المغربي كان يُبيِّت النية لإخراج “المينورسو” نهائيا من الصحراء الغربية و إحكام السيطرة بمنطق القوة الذي إستلهمه من أمريكا.
أما واشنطن فقد عثرت على مهمة للجيش الجزائري في مستنقع النيجر، و فرضت على الجزائر تجهيز 20.000 جندي و إرسالهم بشكل مستعجل إلى الثكنة 101 في شرق النيجر على الحدود الليبية الجزائرية، لدرجة أن الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” استدعى البرلمان يوم الأحد للمصادقة على المشروع، و بالفعل جرى قبل يوم واحد من التصويت بمجلس الأمن، إرسال 20.000 جندي جزائري بعتاد ثقيل إلى النيجر، و هذا معناه أن الجيش الجزائري نقص حصيصه بـ 20.000 جندي، و هو ما يعني نقص الجنود في الثكنات الغربية الجزائرية، و بالتالي فمخطط الرباط سيفرض على القيادة العسكرية الجزائرية تحديث خارطة الانتشار بتقليل عدد الجيش في الحدود بالناحيتين العسكريتين الثانية و الثالثة، على شريط الحدود بين المغرب و الجزائر و الصحراء الغربية، في الوقت الذي استدعت الرباط قائد القوات الليبية لجيش “حفتر“، و عقدت معه صفقات تسليح ثقيلة…، و قبل يومين من تاريخ التصويت على ملف الصحراء الغربية بمجلس الأمن، قرر المشير “خليفة حفتر” نشر الجيش على الحدود مع الجزائر فيما بدا كتنفيذ لخطة مسبقة.
القصر المغربي مباشرة بعد “الفيتو” الروسي، أصدر بيانا يُشيِّع فيه “المينورسو” إلى مثواها الأخير، مع العلم أنه لا تزال هناك جلسة أخرى يوم السبت 31 أكتوبر 2026 قد يعاد فيها صياغة مهمة “المينورسو“، لكن الرباط حصلت على ضمانات بأن أمريكا لن تقدم مقترحا بعد الذي عارضته روسيا، و ستستخدم حق النقض ضد أي مقترح تتقدم به روسيا لإحياء مهمة البعثة، بمعنى أن الرباط على علم بأن مهمة “المينورسو” إنتهت بلا رجعة…… (يتبع).
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
لدعمنا أكثر يمنكم الانخراط في صفحتنا الجديدة على الفايسبوك باستعمال الرابط التالي: